مقالات وتقارير

“الحرب الأهلية” في قاموس التضليل‎

بقلم/ ليلى عماشا *

“يجب أن نضع سقفًا عندما نتحدّث عن الحلول أو عن وسائل الضغط […] ما هو السّقف؟ هو عدم الذهاب إلى حرب أهلية واقتتال داخلي”. بهذه الجمل الواضحة بدأ الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله حديثه عن الملفّ الداخلي اللبناني وتطوّراته في خطابه في يوم الجريح، وأرفقها بشرحٍ وافٍ وواضح يؤكّد المؤكد فيما يخصّ موقف حزب الله من الانجرار إلى أي شكلٍ من أشكال الاقتتال الداخلي.
إلّا أنّ وضوح الجمل ومضامينها لم يمنع المتضرّرين من الحلول التي أوردها السيّد في خطابه الشّامل من تحوير حديثه ومن تضليل الناس حول فحوى الخطاب وصولًا إلى الكذب الصريح. تصدّرت عبارة “الحرب الأهلية” أحاديث المتأمركين عبر انتزاعها من سياقها أو عبر اجتهاد مشبوه في تفسيرها بحيث تبدو تهديدًا يوجّهه حزب الله إلى الآخرين. الأمر بظاهره قد يبدو قصورًا في فهم اللغة العربية حتى بمستواها الأكثر بساطة، وفي العمق هو سعي حقيقي لتشويه المضمون واستخدامه في سياق بدأ قبل سنوات في إطار العمل على شيطنة حزب الله.

صبيحة اليوم التالي للخطاب، وبعد أن أمضى المستثمرون في الأزمة اللبنانية ليلهم في البحث دون جدوى عن ثغرات في خطاب السيد نصر الله يستطيعون تجييرها لصالح سياساتهم المشبوهة حينًا والفواحة برائحة التعليمات الأميركية أحيانًا، انهالت على المواقع الإخبارية وسائر مؤسسات الإعلام العوكري مجموعة من التفسيرات المغلوطة لكلام السيّد والتي تناغمت بشكل يجعل مطلقيها يظهرون بدور الضحيّة المهدّدة بخطر وهمي أو الطرف الذي يقاوم تهديدًا لم يعلم أحدٌ من أين اختلقه أو رآه.

شهد الصباح توترًا ملحوظًا في صوت رئيس حزب “الكتائب” النائب سامي الجميّل، إذ قال موجّهًا كلامه إلى السيّد نصر الله: “ما في لبناني بدو حرب أهلية يمكن إلا إنت وما تهدّدنا بحرب”، حتى بدا أن النائب المذكور لم يستمع إلى الخطاب لولا تأكيده أنّه أحصى عدد مرات ورود كلمتي “الحرب الأهلية”، وثمّة احتمال أن يكون قد سمع الخطاب وفهمه جيّدًا وتعمّد افتتاح جوقة الردود وتوجيهها بحيث تدور جميعها حول “تهديد” لم يحصل. أما عن دليل الجميّل على هذا التهديد فهو كما ذكرنا: استخدام كلمتي “الحرب الأهلية” في خطاب السيّد نصر الله عشر مرات!

ولم يتأخر النائب والوزير السابق الشهير أحمد فتفت عن الالتحاق بركب من يتسابقون إلى الردّ، فقال خلال مقابلة مع تلفزيون المر MTV المجتهد في تلقي وتلبية الإشعارات العوكرية على مدار الساعة، إنّ خطاب السيد نصر الله تهديديّ. ولم يفصح عن كيفية استشعاره لهذا التهديد. ليتبعه النائب عن “القوات” فادي سعد مستعجلًا الإدلاء بدلوه عبر وسائل التواصل الاجتماعي “الحرب الأهلية موجودة في مفكّرة حزب الله”، ليتبعه وهبي قاطيشا قائلًا إن حزب الله يهدّد الجميع بحرب أهلية. ودليل جميع هؤلاء هو حديث السيّد عن الحرب الأهلية، أي الحديث نفسه الذي سمعناه جميعًا والذي أوردنا مقتطفا منه بحرفيته في بداية هذا المقال، والمتوفر كاملًا على سائر محرّكات البحث.

على هذا المنوال، بدأت الجملة المضلّلة والمشوّهة لحقيقة ما قاله السيّد نصر الله وتحوّلت شيئًا فشيئًا إلى محاكاة تجريبية للمثل القائل: اكذب ثمّ اكذب حتى يصدّقك الناس، ثمّ اكذب أكثر حتّى تصدّق نفسك..

لذلك، لم تتأخر الصحف والمواقع الإخبارية الموسومة بختم “عوكر” عن تناقل هذا التهديد المبني على وهم مشبوه، والذي يتجاهل كلّ فحوى الخطاب الذي جاء ليقدّم خارطة حلول واقعية تنقذ البلد من شرّ الأزمة المتفاقمة والتي يدفع ثمنها الناس فيما يحاول المشاركون بصناعتها تحميل مسؤوليتها لحزب الله. فهذه الصحف والمواقع الالكترونية التي توّلت منذ بداية الأزمة بشكل خاص دور الأداة الإعلامية التي تعمل على التضليل والتشويه علانية وبدون أدنى حرج أو احترام لعقول القراء ومقدرتهم على التبيّن من الحقائق المتوفرة بسهولة. فرأينا عناوين لمقالات لا تتضمّن حقيقة واحدة تعادل قيمتها قيمة الحبر الذي هُدِر لطباعتها. على سبيل المثال، قالت صحيفة “النهار” في أحد عناوينها “ما دلالات حملة الحزب غير البريئة على الجيش؟” ليتبيّن في سياق المقال أن الدليل على وجود هذه الحملة هو قول السيّد نصر الله في خطابه إن فتح الطرق هو من واجبات الجيش! وأمثلة كثيرة في السياق نفسه: تشويه الحقائق الساطعة.

في زمن المعلومات المتاحة والأرشيف الحيّ، يصبح من اليسير كشف الأكاذيب ومحاولات التضليل مهما صرف المموّلون من مبالغ لصياغتها وتسويقها، إلّا أن الكشف وحده لا يكفي. وهنا يمكن توجيه اللّوم على مَن وظيفته متابعة العمل الإعلامي في لبنان، ومحاسبة مَن يدسون سمّ التضليل في عسل ادعاء حريّة التعبير، عسى تستعيد الكلمة المحسوبة على الصحافة والإعلام ثقلها الكامن في كونها حقيقة، وعسى نصل، رغم سوء المرحلة، إلى يوم لا نقرأ فيه أوهام وأكاذيب المتأمركين مكتوبة ومتداولة ولا نستمع فيه إلى مواقف لا تستند الى أيّ وقائع أو حقائق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى