مقالات وتقارير

سياسة “السيد” وسياسة الآخرين

بقلم/ فيصل الأشمر*

المصالح الذاتية الضيقة للشخصية السياسية أو الجهة الحزبية تطغى على مصلحة الوطن الكبرى، فإن كان كلام الخصم مقنعاً ومنطقياً ومفيداً للوطن، لكنه لا يفيدك في مصلحتك الذاتية، هاجمتَه واتهمت صاحبه اتهامات تعلم أنها باطلة، وقد ترفع كلامك صارخاً بأعلى صوتك ظناً منك أن كثرة الصراخ تغطي على الحقيقة.

يتعامل سماحة السيد نصر الله مع الخصوم السياسيين الداخليين، ومع الأعداء الخارجيين، من موقع الحقيقة والمنطق، ويحاول ما استطاع أن يستوعب هجوم الخصوم الداخليين متلقياً بصدره سهام الانتقادات ورماح الأحقاد لأجل الوصول بأزمات البلد إلى برّ الأمان، الأمان العام لكل اللبنانيين، لا الأمان لحزب الله فقط، أو لـ 8 آذار، لأنه يعرف أن الأمان الجزئيّ ليس بأمان للوطن كله، وأن الغاية الكبرى إيجاد الحلول السياسية والاقتصادية الشاملة، لا تحقيق الأمان لبيئة حزب الله فقط، ولو شاء تحقيقه لبيئته فقط لفعل وهو قادر.

ينطلق سماحة السيد من مبادئ سياسية فكرية لا يعرفها المتعاطون بالشأن العام أو يعرفونها ولا يعملون بها، هي مبادئ الحق والعدالة وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وقد تكون هذه المبادئ غير مجدية في مرحلة ما للشخصية أو الجهة السياسية فلا بأس عندها من تجاوزها وإيثار الخاص على العام، وهذا ما لا يفعله السيد ولا حزبه، الذي لطالما تنازل عن حصته النيابية أو الوزارية لأجل الصالح العام.
 

كان سماحة السيد نصر الله واضحاً في خطابه الأخير في تناول الأوضاع الداخلية المؤلمة للبنانيين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فلم يعجب كلامه أصحاب المصالح الذاتية، وربما أعجب بعضهم ورأى أنه سبيل الخلاص للوطن، لكن لأن المتحدث هو السيد نصر الله فلا يجوز تأييده والموافقة عليه.

مناشدة السيد نصر الله قطاع الطرق عدم قطعها لما في ذلك من تأثير سيئ على المواطنين والبلد صار في رأي قصّار النظر من سياسيين وإعلاميين وثوريين جدد محاربةً للثورة وعملاً على إطفاء شعلتها، ورفضه للحرب الأهلية صار في نظر أطفال السياسة وأحفاد وأبناء زعماء الحرب الأهلية دعوةً إلى هذه الحرب، وإعلانه عدم استعمال السلاح في تشكيل الحكومة صار ضغطاً على السياسيين لتشكيلها، وتقديمه النصح للسياسيين المعنيين بتشكيل هذه الحكومة للتعجيل في تشكيلها صار تهديداً لهم، ومناشدته حاكم مصرف لبنان ممارسة واجبه في حماية الليرة اللبنانية صار تصويباً للمسدس إلى رأسه.
 

من حكمة قيادة حزب الله أنها تتعاطى في الشأن الداخلي واضعةً سلاحها جانباً، لأنه لم يوجد في الأصل لاستعماله في الداخل اللبناني، ولن يُستعمل داخلياً كما صرّح السيد نصر الله مرات عدّة، ويعرف الجميع لماذا وُجد هذا السلاح ولماذا سيبقى، لكن تصوروا كيف سيكون عليه وضع لبنان لو أن بعض بعض هذا السلاح كان في أيدي بعض الجهات اللبنانية.

يكفي حزب الله أن لديه بيئة وجمهوراً يثقان به وبقيادته، واختبر الحزب هذه البيئة وهذا الجمهور في مناسبات كثيرة، واختبرته هذه البيئة وهذا الجمهور في مواقف عظيمة، ويعرف هؤلاء أن الحزب لن يتخلى عنهم كما لم يفعل في السابق، وأن لديه الحلول المناسبة في الظروف والأوقات المناسبة، حتى لو كان “إجراؤها عبر الدولة والمؤسسات وطبقاً للقانون غير مُتاح، عندما يصبح البلد ‏أمام جوع حقيقي وأمام انهيار حقيقي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى