سيرة العلماء الربانيون

في ذكرى استشهاده.. ملف خاص عن آية الله السيد محمد باقر الصدر

في مثل هذا اليوم وبتاريخ التاسع من شهر نيسان عام 1980، تطل علينا الذكرى السنوية لجريمة العصر إعدام المرجع و المفكر و الفيلسوف الشهيد آية الله العظمى الامام السيد محمد باقر الصد وأخته العلوية العالمة الفاضلة الشهيدة بنت الهدى (آمنة حيدر الصدر) رضوان الله تعالى عليهما، من قبل طاغية العراق الدكتاتور صدام.

ولادته ونشأته

ولد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) في مدينة الكاظمية المقدسة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ، و كان والده العلامة المرحوم السيد حيدر الصدر ذا منزلة عظيمة، وقد حمل لواء التحقيق والتدقيق والفقه والأصول، وكان عابداً زاهداً عالماً عاملا، ومن علماء الإسلام البارزين.

وكان جده لأبيه وهو السيد إسماعيل الصدر، زعيماً للطائفة، ومربياً للفقهاء، وفخراً للشيعة، زاهداً ورعاً ظالعاً بالفقه والأصول، وأحد المراجع العِظام للشيعة في العراق.

أما والدته فهي الصالحة التقية بنت المرحوم آية الله الشيخ عبد الحسين آل ياسين، وهو من أعاظم علماء الشيعة ومفاخرها.

بعد وفاة والده تربى السيد محمد باقر الصدر في كنف والدته وأخيه الأكبر، ومنذ أوائل صباه كانت علائم النبوغ والذكاء بادية عليه من خلال حركاته وسكناته.

دراسته وأساتذته

تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ.

بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية.

في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر، وكان يعترض على صاحب المعالم ، فقال له أخوه: إن هذه الاعتراضات هي نفسها التي اعترض بها صاحب كفاية الأصول على صاحب المعالم.

في سنة 1365 هـ هاجر سيدنا الشهيد المفدى من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله تعالى عليه).

أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي (رحمه الله).

بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً، إلا أنها من حيث نوعية الدراسة تعدّ فترة طويلة جداً، لأن السيد كان خلال فترة اشتغاله بالدراسة منصرفاً بكلّه لتحصيل العلم، فكان منذ استيقاظه من النوم مبكراً وإلى حين ساعة منامه ليلا كان يتابع البحث والتفكير، حتى عند قيامه وجلوسه ومشيه.

تدريسه

بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادى الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتاريخ 12 / ربيع الأول / 1391، وشرع بتدريس الدورة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381هـ.

وخلال هذه المدة استطاع سيدنا الأستاذ أن يربي طلاباً امتازوا عن الآخرين من حيث العلم والأخلاق والثقافة العامة، لأن تربية السيد الصدر لهم ليس منحصرة في الفقه والأصول، بل أنّه يلقي عليهم في أيام العطل والمناسبات الأخرى محاضراته في الأخلاق، وتحليل التأريخ، والفلسفة، والتفسير لذا أصبح طلابه معجبين بعلمه وأخلاقه، وكماله إلى مستوىً منقطع النظير، ولهذا حينما يجلس السيد بين طلابه يسود بينهم جو مليء بالصفاء والمعنوية.

طلابه

من أبرز طلابه ما يأتي ذكرهم:

1 ـ آية الله السيد كاظم الحائري.

2 ـ آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي.

3 ـ آية الله السيد محمد باقر الحكيم.

سيرته وأخلاقه

سنوجز في هذه المناسبة أبرز صفاته وهي:

1 ـ حبه وعاطفته

إن من سمات شخصية المرجع الشهيد (رحمه الله) تلك العاطفة الحارة، والأحاسيس الصادقة، والشعور الأبوي تجاه كل أبناء الأمة، تراه يلتقيك بوجه طليق، تعلوه ابتسامة تشعرك بحب كبير وحنان عظيم، حتى يحسب الزائر أن السيد لا يحب غيره، وإن تحدث معه أصغى إليه باهتمام كبير ورعاية كاملة، وكان سماحته يقول: إذا كنا لا نسع الناس بأموالنا فلماذا لا نسعهم بأخلاقنا وقلوبنا وعواطفنا؟

2 ـ زهده

لم يكن الشهيد الصدر زاهداً في حطام الدنيا، لأنه كان لا يملك شيئاً منها، أو لأنه فقد أسباب الرفاهية في حياته، فصار الزهد خياره القهري، بل زهد في الدنيا وهي مقبلة عليه، وزهد في الرفاه وهو في قبضة يمينه. وكأنه يقول (يا دنيا غري غيري): فقد كان زاهداً في ملبسه ومأكله لم يلبس عباءة يزيد سعرها عن خمسة دنانير (آنذاك)، في الوقت الذي كانت تصله أرقى أنواع الملابس والأقمشة ممن يحبونه ويودونه، لكنه كان يأمر بتوزيعها على طلابه.

3 ـ عبادته

من الجوانب الرائعة في حياة السيد الصدر (رحمه الله) هو الجانب العبادي، ولا يستغرب إذا قلنا: إنه كان يهتم في هذا الجانب بالكيف دون الكم، فكان يقتصر على الواجبات والمهم من المستحبات.

وكانت السمة التي تميّز تلك العبادات هي الانقطاع الكامل لله سبحانه وتعالى، والإخلاص والخشوع التامين، فقد كان لا يصلي ولا يدعو ولا يمارس أمثال هذه العبادات، إلا إذا حصل له توجه وانقطاع كاملين.

4 ـ صبره وتسامحه

كان السيد الصدر أسوة في الصبر والتحمل والعفو عند المقدرة فقد كان يتلقى ما يوجه إليه بصبر تنوء منه الجبال، وكان يصفح عمن أساء إليه بروح محمديّة.

5 ـ نبوغه

كانت علائم النبوغ بادية على وجهه منذ طفولته، وعلى سبيل المثال نذكر هذه القصة التي حدثت في بداية الحياة الدراسية للسيد الصدر وكان السيد الصدر يدرس عند الشيخ محمد رضا آل ياسين، وحينما وصل الأستاذ في بحثه إلى مسألة أن الحيوان هل يتنجس بعين النجس، ويطهر بزوال العين، أو لا يتنجس بعين النجس؟

فذكر الشيخ آل ياسين أن الشيخ الأنصاري ذكر في كتاب الطهارة: أنه توجد ثمرة في الفرق بين القولين تظهر بالتأمل، ثم أضاف الشيخ آل ياسين: إن أستاذنا المرحوم السيد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة، طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين، ونحن بيّنا له ثمرة في ذلك، وأنا أطلب منكم أن تأتوا بالثمرة غداً بعد التفكير والتأمل.

وفي اليوم التالي حضر السيد الصدر قبل الآخرين عند أستاذه، وقال له: إنّي جئت بثمرة الفرق بين القولين، فتعجب الشيخ آل ياسين من ذلك كثيراً، لأنه لم يكن يتصور أن حضور تلميذه إلى الدرس حضوراً اكتسابيا، وإنما هو حضور تفنني.

فبين سيدنا الصدر ثمرة الفرق بين القولين، وحينما انتهى من بيانه دهش الأستاذ من حِدّة ذكاء تلميذه ونبوغه، وقال له: أعد بيان الثمرة حينما يحضر بقية الطلاب، وحينما حضر الطلاب سألهم الشيخ: هل جئتم بثمرة؟ فسكت الجميع ولم يتكلم أحد منهم، فقال الأستاذ: إن السيد محمد باقر قد أتى بها، وهي غير تلك التي بيّناها لأُستاذنا السيد إسماعيل الصدر.

ثم بيّن السيد الشهيد الصدر ما توصل إليه من ثمرة الفرق بين القولين، وقد نفذ السيد بنبوغه هذا إلى صميم القلوب بصفته شخصية علمية وفكرية بارزة، وحاز على اعتراف فضلاء وعلماء الحوزة العلميّة.

مواقفه ضد نظام البعث الحاكم في العراق

للسيد مواقف مشرفة كثيرة ضد النظام العراقي العميل نوجزها بما يلي:

1 ـ في عام 1969 م، وفي إطار عدائها للإسلام، حاولت زمرة البعث الحاقدة على الإسلام والمسلمين توجيه ضربة قاتلة لمرجعية المرحوم آية العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره) من خلال توجيه تهمة التجسس لنجله العلامة السيد مهدي الحكيم، الذي كان يمثل مفصلا مهماً لتحرك المرجعية ونشاطها، فكان للسيد الشهيد الموقف المشرف في دعم المرجعية الكبرى من جانب، وفضح السلطة المجرمة من جانب آخر، فأخذ ينسق مع المرجع السيد الحكيم (قدس سره) لإقامة اجتماع جماهيري حاشد، ويعبر عن مستوى تغلغل المرجعية الدينية وامتدادها في أوساط الأمة، وقوتها وقدرتها الشعبية وحصل الاجتماع في الصحن الشريف لمرقد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان حاشداً ومهيباً ضمّ كل طبقات المجتمع العراقي وأصنافه.

ولم يقف دعمه عند هذا الحد، بل سافر إلى لبنان ليقود حملة إعلامية مكثفة دفاعاً عن المرجعية، حيث قام بإلقاء خطاب استنكر فيه ما يجري على المرجعية في العراق، وأصدر كثيراً من الملصقات الجدارية التي ألصقت في مواضع مختلفة من العاصمة بيروت.

2 ـ في صباح اليوم الذي قرر الإمام الخميني، مغادرة العراق إلى الكويت قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قرر السيد الصدر الذهاب إلى بيت الإمام لتوديعه، بالرغم من الرقابة المكثفة التي فرضتها سلطات الأمن المجرمة على منزله، وفي الصباح ذهب لزيارته، ولكن للأسف كان الإمام قد غادر قبل وصوله بوقت قليل.

والحقيقة أنه لا يعرف قيمة هذا الموقف وأمثاله إلاّ الذين عاشوا تلك الأجواء الإرهابية التي سادت العراق قبيل وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

3 ـ بعد حادثة اغتيال الشهيد مرتضى المطهري في إيران على أيدي القوات المضادة للثورة الإسلامية في إيران، قرر السيد الصدر إقامة مجلس الفاتحة على روحه الطاهرة وذلك لأنه كان من رجال الثورة ومنظريها وكان من الواجب تكريم هذه الشخصية الكبيرة.

4 ـ ومن مواقف الفداء والتضحية ما حدث خلال فترة الحصار والإقامة الجبرية أيام انتصار الثورة الإسلامية في إيران (1399 هـ، 1979 م)، إجابته على كل البرقيات التي قد أُرسلت له من إيران، ومنها برقية الإمام الخميني (قدس سره)، علماً أن جميع تلك الرسائل والبرقيات لم تصله باليد، لأن النظام العراقي كان قد احتجزها، لكن السيد الشهيد كان يجيب عليها بعد سماعها من إذاعة إيران / القسم العربي.

وكان من حق السيد الشهيد أن يعتذر عن الجواب، فمن هو في وضعه لا يُتوقع منه جوابا على برقية، لكن لم يسمح له إباؤه فعبّر عن دعمه المطلق، وتأييده اللامحدود للإمام الراحل والثورة الإسلامية الفتية المباركة، مسجلا بذلك موقفاً خالداً في صفحات التضحية والفداء في تاريخنا المعاصر.

5 ـ تصدى (رضوان الله عليه) إلى الإفتاء بحرمة الانتماء لحزب البعث، حتى لو كان الانتماء صورياً، وأعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، فكان هو المرجع الوحيد الذي أفتى بذلك، وحزب البعث في أوج قوته وكان ذلك جزءاً من العلة وأحد الأسباب التي أدت إلى استشهاده.

أهداف، سعى الشهيد الصدر لتحقيقها

1 ـ كان السيد الصدر يعتقد بأهمية وضرورة إقامة حكومة إسلامية رشيدة، تحكم بما أنزل الله عز وجل، تعكس كل جوانب الإسلام المشرقة، وتبرهن على قدرته في بناء الحياة الإنسانية النموذجية، بل وتثبت أن الإسلام هو النظام الوحيد القادر على ذلك، وقد أثبت كتبه (اقتصادنا، وفلسفتنا، البنك اللاربوي في الإسلام، وغيرها) ذلك على الصعيد النظري.

2 ـ وكان يعتقد أن قيادة العمل الإسلامي يجب أن تكون للمرجعية الواعية العارفة بالظروف والأوضاع المتحسسة لهموم الأمة وآمالها وطموحاتها، والإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الإسلام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم، وهذا ما سماه السيد الشهيد بمشروع (المرجعية الصالحة).

3 ـ من الأمور التي كانت موضع اهتمام السيد الشهيد (رضوان الله عليه) وضع الحوزة العلمية، الذي لم يكن يتناسب مع تطور الأوضاع في العراق ـ على الأقل ـ لا كماً ولا كيفاً، وكانت أهم عمل في تلك الفترة هو جذب الطاقات الشابة المثقفة الواعية، وتطعيم الحوزة بها.

والمسألة الأخرى التي اهتم بها السيد الشهيد هي تغيير المناهج الدراسية في الحوزة العلميّة، بالشكل الذي تتطلبه الأوضاع وحاجات المجتمع لأن المناهج القديمة لم تكن قادرة على بناء علماء في فترة زمنية معقولة، ولهذا كانت معظم مدن العراق تعاني من فراغ خطير في هذا الجانب، ومن هنا فكّر (رضوان الله عليه) بإعداد كتب دراسية، تكفل للطالب تلك الخصائص، فكتب حلقات (دروس في علم الأصول).

أمّا المسألة الثالثة التي أولاها السيد اهتمامه فهي استيعاب الساحة عن طريق إرسال العلماء والوكلاء في مختلف مناطق العراق، وكان له منهج خاص وأسلوب جديد، يختلف عما كان مألوفاً في طريقة توزيع الوكلاء، ويمكننا تلخيص أركان هذه السياسة بما يأتي:

أولا: حرص على إرسال خيرة العلماء والفضلاء ممن له خبرة بمتطلبات الحياة والمجتمع.

ثانياً: تكفل بتغطية نفقات الوكيل الماديّة كافة، ومنها المعاش والسكن.

ثالثاً: طلب من الوكلاء الامتناع عن قبول الهدايا والهبات التي تقدم من قبل أهالي المنطقة.

رابعاً: الوكيل وسيط بين المنطقة والمرجع في كل الأمور، ومنها الأمور الماليّة، وقد أُلغيت النسبة المئوية التي كانت تخصص للوكيل، والتي كانت متعارفة سابقاً.

مؤلفاته

ألّف السيد محمد باقر الصدر العديد من الكتب القيمة في مختلف حقول المعرفة، وكان لها دور بارز في انتشار الفكر الإسلامي على الساحة الإسلامية وهذه الكتب هي:

1 ـ فدك في التاريخ: وهو دراسة لمشكلة (فدك) والخصومة التي قامت حولها في عهد الخليفة الأول.

2 ـ دروس في علم الأصول الجزء الأول.

3 ـ دروس في علم الأصول الجزء الثاني.

4 ـ دروس في علم الأصول الجزء الثالث.

5 ـ بحث حول المهدي: وهو عبارة عن مجموعة تساؤلات مهمة حول الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)

6- نشأة التشيع والشيعة.

7- نظرة عامة في العبادات.

8 ـ فلسفتنا: وهو دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية، وخاصة الفلسفة الإسلامية والمادية والديالكتيكية الماركسية.

9 ـ اقتصادنا: وهو دراسة موضوعية مقارنة، تتناول بالنقد والبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والرأسمالية والإسلام، في أسسها الفكرية وتفاصيلها.

10 ـ الأسس المنطقية للاستقراء: وهي دراسة جديدة للاستقراء، تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية وللإيمان بالله تبارك وتعالى.

11 ـ رسالة في علم المنطق: اعترض فيها على بعض الكتب المنطقية، ألفها في الحادية عشرة من عمره الشريف.

12 ـ غاية الفكر في علم الأصول: يتناول بحوثا في علم الأصول بعشرة أجزاء، طبع منه جزء واحد، ألفه عندما كان عمره ثماني عشرة سنة.

13 ـ المدرسة الإسلامية: وهي محاولة لتقديم الفكر الإسلامي في مستوى مدرسي ضمن حلقات متسلسلة صدر منها:

أ ـ الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية.

ب ـ ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟

14 ـ المعالم الجديدة للأصول: طبع سنة 1385 هـ لتدريسه في كلية أصول الدين.

15 ـ البنك اللاربوي في الإسلام: وهذا الكتاب أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لنشاطات البنوك على ضوء الفقه الإسلامي.

16 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى: وهو بحث استدلالي بأربعة أجزاء، صدر الجزء الأول منه سنة 1391 هـ.

17 ـ موجز أحكام الحج: وهو رسالة عملية ميسرة في أحكام الحج ومناسكه، بلغة عصرية صدر بتاريخ 1395 هـ.

18 ـ الفتاوى الواضحة: رسالته العملية، ألفها بلغة عصرية وأسلوب جديد.

19 ـ بحث فلسفي مقارن بين الفلسفة القديمة والفلسفة الجديدة: ألفه قبيل استشهاده ولم يكمله، تحدث فيه حول تحليل الذهن البشري، ومن المؤسف جداً أن هذا الكتاب مفقود ولا يعرف أحد مصيره.

20 ـ بحث حول الولاية: أجاب السيد في هذا الكتاب عن سؤالين، الأول: كيف ولد التشيع؟ والثاني: كيف وجدت الشيعة؟

21 ـ تعليقة على الرسالة العملية لآية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره)، المسماة (منهاج الصالحين).

22 ـ تعليقة على الرسالة العملية لآية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين، المسماة (بلغة الراغبين).

23 ـ المدرسة القرآنية: وهي مجموعة المحاضرات التي ألقاها في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.

24 ـ الإسلام يقود الحياة: ألف منه ست حلقات في سنة 1399 هـ، وهي:

1 ـ لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

2 ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

3 ـ خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

4 ـ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

5 ـ منابع القدرة في الدولة الإسلامية.

6 ـ الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي.

أقوال العلماء فيه

قال فيه صاحب كتاب أعيان الشيعة: هو مؤسس مدرسة فكرية إسلامية أصيلة تماماً، اتسمت بالشمول من حيث المشكلات التي عنيت بها ميادين البحث، فكتبه عالجت البُنى الفكرية العليا للإسلام، وعنيت بطرح التصور الإسلامي لمشاكل الإنسان المعاصر … مجموعة محاضراته حول (التفسير الموضوعي) للقرآن الكريم طرح فيها منهجاً جديداً في التفسير، يتسم بعبقريته وأصالته.

شهادته

بعد أن مضى عشرة اشهر في الإقامة الجبرية، تم اعتقاله في 19 / جمادى الأولى / 1400 هـ الموافق 5 / 4 / 1980 م.

وبعد ثلاثة أيام من الاعتقال الأخير استشهد السيد الصدر بنحو فجيع مع أخته العلوية الطاهرة (بنت الهدى).

وفي مساء يوم 9 / 4 / 1980 م (1400هـ)، وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً، قطعت السلطة البعثية التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف، وفي ظلام الليل الدامس تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى دار المرحوم حجة الإسلام السيد محمد صادق الصدر ـ أحد أقربائه ـ وطلبوا منه الحضور معهم إلى بناية محافظة النجف، وكان بانتظاره هناك المجرم مدير أمن النجف، فقال له: هذه جنازة الصدر وأخته، قد تم إعدامهما، وطلب منه أن يذهب معهم لدفنهما، فأمر مدير الأمن الجلاوزة بفتح التابوت، فشاهد السيد محمد صادق الشهيد الصدر (رضوان الله عليه). مضرجاً بدمائه، آثار التعذيب على كل مكان من وجهه، وكذلك كانت الشهيدة بنت الهدى (رحمهما الله). وتم دفنهما في مقبرة وادي السلام، المجاورة لمرقد الإمام علي (عليه السلام) في النجف الأشرف.

تفاصيل دفن الشهيد (الصـدر الأول) سـراً

نشرت جريدة القبس الكويتية سابقا تفاصيل دفن الشهيد المرجع آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر فيما يلي نصه (بقلم ـ نزار حاتم):

كلما استعدت أنفاسك، وهدأت عواطفك من هول مفاجأة أو جريمة ارتكبها نظام صدام حسين، صفعتك مفاجأة جديدة أكثر هولاً.. وكأنك تخرج من باب إلى باب، ومن سرداب إلى آخر، فتبقى عيناك مفتوحتين دهشة لا تكاد أن تصدق فيلم الرعب الطويل الممتد أربعين عاماً، والذي حصد مئات ألوف الضحايا، رجالاً ونساء وأطفالاً، مهندسين وأطباء وعمالاً وتلاميذ ورجال دين، من شمال العراق حتى جنوبه مروراً بالوسط، وخاصة هنا في الوسط الشاهد الأبدي على الجريمة، بأفظع أشكالها وصورها.

وفي النجف كانت المفاجأة الأكبر منذ دخلت العراق قبل شهر من الآن لتغطية أحداثه وتطوراته إثر سقوط صدام ونظامه وأجهزته.

كنت على مشارف نهاية مهمة صحفية فجّرت كل الحزن الذي يمكن أن يحمله إنسان من لحم ودم وفيه قلب ينبض وبقية من مشاعر.. فقد حملتني تلك المهمة إلى المقبرة الجماعية التي اكتشفت للتو في النجف.. أشاهد القبور والجثث لأشخاص معروفين وآخرين مجهولين، وجماجم وعظام أطراف، وبقايا شعر لضحايا قتلوا غدراً وعدواناً بدون ذنب ارتكبوه سوى أنهم لم يكونوا من أتباع صدام وزمرته.

كان الحزن يعصر كل خلية في جسدي، وشمس النجف تخفف حدتها الدموع المنهمرة على وجنتي، بل شعرت بأن الحزن يلف أطراف الصحراء النجفية كلها. يا الهي.. كل هذا الإجرام؟!

الإجرام تحت جنح الظلام

إنه يوم يتفجر وجعا ويشرق بالدموع والألم ليغرق هذه المدينة وأهلها، بل وأهل العراق جميعا بطوفان الحزن الذي حمله نبأ العثور على المقابر الجماعية التي ضمت مئات، وربما ألوف، الشباب والشابات الذين كان قتلهم نظام صدام الفاشي ووارى جثثهم تحت جنح الظلام في هذه المقابر التي ستظل تصرخ في وجه التاريخ أن لا مجرم في هذه الأرض يباري صدام حسين في جرائمه البشعة.

سحابة حزن تهطل على الجميع بأنباء هذه الفاجعة لتترك المرء ذاهلا حيالها، فلا رجل ولا امرأة ولا طفل في ذلك اليوم قد فتر عن التحدث بهذه المأساة، التي يحسب من شاهدها أن صدام حسين كان قد عزم على قتل العراقيين جميعا ليرقص على أشلائهم بلا رادع أخلاقي أو إنساني.

من ذا الذي يدلني على هذه المقابر التي تم اكتشافها بعد أن حملتني الأجوبة المتضاربة على مكانها إلى أكثر من جهة دون جدوى.

فقد قيل لي إنها بالقرب من مطاحن الحصا على الطريق الذي يربط النجف بكربلاء فتوجهت إلى هناك دون أن اعثر عليها، وقيل أنها بالقرب من منطقة الشوملي شمال النجف فلم أجدها حتى ظننت أنها محض دعاية ليس إلا.

بعد التفكير مليا رأيت من الأجدى التوجه إلى داخل مدينة النجف لعلي اعثر على من أثق به ليقطع الشك باليقين، وفي الطريق الممتد من النجف إلى الكوفة وقع بصري على مبنى كتبت على واجهته الأمامية عبارة (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، سلمت على العناصر الواقفين إلى جانب البوابة الرئيسية لحراسة المبنى وأخبرتهم بمهمتي، فأسرع أحدهم ليخبر المسؤولين الذين أوعزوا إليه بالسماح لي في الدخول إليهم، ثمة رجل نجفي يرتدي الغترة والعقال كنت اعرفه هو الحاج اسعد أبو كلل، لقد استقبلني بحفاوة وتبين لي في ما بعد انه يعمل مديرا لمكتب العلاقات العامة في المجلس الأعلى.

هكذا ارتكبوا الجريمة

سألته فورا عما إذا كان صحيحا موضوع المقابر الجماعية، فرد علي (نعم لا تستعجل سأدلك عليها لأني أول من اطلع على هذه المصيبة).

يا لها من مصادفة أن ألتقيك أذن، أرجوك حدثني مفصلا عن هذا الأمر؟

ـ في البدء لابد أن اذكر لك أن هناك شخصين أحدهما يدعى علي رحم، فيما لا يزال الآخر يتحفظ على ذكر اسمه بسبب الخوف الذي ظل ملازما له من النظام المقبور، عندهما مزرعة طماطم كانا تحدثا إلي منذ سنوات أنهما شـاهدا سيارات كبيرة تقوم بنقل أشخاص أحياء ويترجل منها مسلحون فيطلقون النار على رؤوس هؤلاء الأشخاص، ثم يقومون بدفنهم مجتمعين بالقرب من المزارع في منطقة الكفل القريبة من مدينة النجف. فيما كان يتحدث معظم أهالي المدينة عن وجود مقابر جماعية في مدينتهم، ولما سقط نظام صدام جاءني هذان الشخصان ليؤكدا لي وجود هذه المقابر، فتوجهت معهما صوب هذه المزارع وقمنا بعمليات الحفر، وعثرنا في اليوم الأول على رفات خمسة وعشرين شخصا دفنوا بثيابهم بعد إطلاق النار عليهم بينما كانت أيدي بعضهم مكبلة إلى الخلف وهم من محافظات عراقية مختلفة تعرفنا عليهم من خلال بعض وثائقهم التي كانت بحوزتهم ساعة قتلهم من قبيل شهادة الجنسية والمحفظات الصغيرة، وبدورنا عمدنا إلى تكفينهم، كما علقنا بذيل أكفانهم كل مقتنياتهم التي كانت معهم، ثم قمنا بدفنهم بعد أن وضعنا رقما لكل واحد منهم ليتسنى لأهلهم التعرف عليهم.

الآتي أفظع!

ثم عدنا إلى عملية الحفر للبحث عن المزيد من هؤلاء الضحايا فعثرنا على رفات تسعة آخرين، مؤملين أنفسنا في مواصلة البحث عند المساء، لكن احد الأشخاص الذين علموا بالموضوع سارع إلى إخبار عامر عبود العيداني الذي عينته قوات التحالف محافظا للنجف والذي سارع بدوره إلى إخبار الأمريكيين فمنعونا من مواصلة كشف هذه المقابر، فذهبت إلى المحافظ نفسه وكان جالسا عنده شخص أمريكي يدعى Mr. Steef وأبلغت المحافظ بضرورة الكف عن منعنا من عملنا هذا، وبالفعل فقد انسحب الأمريكان من المقبرة فواصلنا عمليات البحث التي أسفرت لغاية اليوم عن اكتشاف إحدى وتسعين جثة البعض منها بلا رأس، وللعلم سوف يتم اكتشاف عدد من هذه المقابر في عموم المحافظات العراقية الأخرى.

ضد المحافظ

على ذكر المحافظ كيف علاقتكم وعموم أهل النجف به؟

ـ علاقتنا به سيئة للغاية ويعتزم النجفيون عموما تنظيم تظاهرات ضده تطالب الأمريكان باستبداله.

في هذه الأثناء دخل علينا رجل كان التعب باديا عليه فيما لم تزل بقايا التراب عالقة بشعر رأسه ودشداشته، وقد اخبر الحاج أسعد أبو كلل بجلب رفات عدد ممن قد عثر عليهم في هذه المقابر، مشيرا إلى انه قام بتكفينهم وجاء بهم إلى باحة المكتب في سيارة وآنيت، فسارعت على الفور لرؤية هذا المشهد المروع.

ها هي جثامينهم الملفوفة بالأكفان مرصوف بعضها جنب بعض في هذه السيارة، وقد كتبت أسماء بعضهم بعد التعرف عليها من خلال وثائقهم المدفونة معهم، على الأكفان، اذكر من بينها التالي:

1 ـ طالب جاسم محمد اللامي واسم والدته نجيبة موسى من محافظة البصرة ـ حي الرباط الكبير.

2 ـ محمد سالم ساهي الفرحان، اسم زوجته نادية حسن رمضان، واسم أمه صفية سوادي ـ بصرة محلة الرباط الكبير.

حفار قبور خفيف الدم

لا بد لي أن انتصر على حالة الهلع التي استحوذت عليّ أثناء تلك اللحظات، لأكمل الرحلة في هذا المشوار المأساوي، فطلبت من الحاج أسعد أبو كلل أن يبعث أحدا معي إلى المقبرة، فأوعز إلى الدفان ليصطحبني إلى هناك.

فاجأني رفيقي الدفان المدعو عباس بلاش خضير البركاوي بخفة دمه، خلافا لما هو مألوف عند من يمارس هذه المهنة، ربما لأنه يريد مني زيادة في أجره، وقد أوحيت له باستعدادي لذلك ليريني المزيد من الجرائم التي اقترفها صدام بحق العراقيين.

لقد أشار إليّ بالتوجه إلى المقبرة التي تسمى بالجديدة شمال النجف، التي ما أن بلغناها حتى شاهدت عددا من الدفانين يقومون بتكفين رفات لأشخاص آخرين ورصفهم على الأرض ليتولوا دفنهم واحدا تلو الآخر في قبور قد أعدت لكل واحد منهم، ثم دعاني هذا الدفان إلى التوجه معه إلى ارض صحراوية متاخمة لعدد من المنازل وجدت عليها أكواما رملية صغيرة عرفت في ما بعد أنها بمثابة شواهد للذين دفنوا قبل ساعات عقب العثور على رفاتهم في مقابر جماعية، فيما سيعود الدفانون إلى استبدال هذه الأكوام بالاسمنت ليكتبوا عليها أسماء الضحايا.

كاد الجزع يحبس أنفاسي، فقد تمنيت لو أني لم افتح هذا الباب الواسع من الحزن على قلبي.

المفاجأة الكبرى!

وسط هذه الحالة، سألت الدفان الذي اصطحبني في جولتي: وماذا بعد يا رفيقي؟ إلى أين ستأخذني في رحلتك التي يسير فيها القلب على شفرة السكين؟

أجاب الدفان: (سآخذك إلى مكان لم يخطر على بالك، سأريك قبر آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر).

لم أدرك جيدا ما سمعت. وتمتمت: أجننت؟ من أين لك هذا، والعراقيون حتى الأمس القريب يرددون في كربلاء بمناسبة أربعينية الإمام الحسين (هلّه هلّه الصدر وينه.. ضيعوا قبره علينا)، قبل ثلاثة أسابيع فقط: أدرك جيدا أن مصير السيد محمد باقر الصدر يمثل قمة المأساة التي عاشها الشيعة العراقيون في ظل حكم صدام. فلقد تم إعدام هذا المرجع الكبير في عام 1980، عقب اعتقاله مع شقيقته بنت الهدى وقيل أن صدام هو الذي قتل هذا المرجع الديني، وقــيل أن نائبه عزة الدوري هو الذي تولى المهمة القذرة، بينما آفادت رواية ثالثة أن صدام أطلق الرصاصة الأخيرة على الشهيد بحضور الدوري وقيل أيضا إن صدام أمر بإحراق لحية الشهيد تشفيا، وسمل عينيه، وغرزوا في رأسه مسمارا قبل أن يطلقوا الرصاص عليه.

والشائع بين الناس أن جثة الإمام الصدر لا اثر لها، وان لا قبر له. تذكرت كل هذا وأنا أفكر بما سمعت من الدفان. لكن عباس أصر بعناد: سوف ترى.

لم تمض سوى دقائق معدودة حتى وصلنا إلى بقعة من الأرض أعدت خصيصا لاحتضان رفات الصدر التي تم نقلها من قبره السابـق الذي كان دفن فيه بين القبور بإشراف جلاوزة الأمن الصدامي. وهو مكان قريب من مكتب الاستعلام عند المدخل الغربي لمقبرة وادي السلام.

سألت أحد الذين نقلوا الرفات من قبره القديم فورا بعد سقوط النظام في ابريل الماضي عما إذا كانوا عثروا على شيء من مقتنيات الصدر التي بقيت معه ساعة دفنه؟

رد عليّ احدهم بكلمة نعم واثقة موضحا، (لقد وجدنا خاتمه الذي كان يضعه في خنصره بيده اليمنى منقوشا عليه اسم (محمد) تيمنا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

هل يمكن أن أراه؟

ـ كلا أبدا، هذه الأمور موقوفه على مجيء نجله السيد جعفر الصدر من مدينة قم قريبا لنقوم بتسليمه له.

كيف تم العثور على رفات الصدر والجميع كان يتحدث عن محاولات جرت دون جدوى من أجل التعرف على قبره؟.. بهذا السؤال توجهت إلى الدفان الذي جاء بي إلى هذا المكان.

ـ سأشرح لك تفاصيل القصة كما هي بالصورة التالية:

هل تعرف أنت التفاصيل حقا؟

ـ طبعا، لأن أخي الأكبر هو الذي دفنه عقب يوم من مقتله على يد النظام، وهو الذي عرّف الآخرين بمكان القبر.

كيف؟

ـ في الشهر الرابع من عام 1981 طرق باب منزلنا في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا كل من مفوضي الأمن جبار سعد حميد، وفاضل صاحي فرز علي، وطلبا من أخي التوجه معهما إلى المقبرة القديمة بدعوى أن عندهما جنازة يريدان دفنها، ولما وصلوا إلى هناك سأله المفوضان عما إذا كان يعرف اسم هذا المسجى، فأجابهم (نعم أعرفه انه محمد باقر الصدر).

فقال المفوضان (طيب بما إننا رجال أمن لا يمكن أن نتحدث لأحد بالأمر، فانك المسؤول وحدك إذا ما سمعنا بهذا الموضوع، أو انتقل الخبر، ولذا يجب أن توقّع على هذا التعهد الذي يقضي بإعدامك حال سماعنا بنبأ دفنه، وحينها لم يجد أخي بدا من التوقيع الذي ظل يؤرقه طيلة فترة حكم صدام مخافة أن يشي احد المفوضين بالأمر ويحمله المسؤولية.

كما عمدت مديرية أمن النجف طيلة هذه السنوات إلى استدعاء أخي كل ستة أشهر للتوقيع مجددا على هذا التعهد.

وفي عام 1986 استدعي أخي إلى خدمة الاحتياط العسكرية إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية فخشي أن يقتل في هذه الحرب ويضيع قبر الصدر، فتوجه إلى شخصين يثق بهما وأخبرهما بالأمر، مشترطا عليهما إداء القسم عند مرقد الإمام علي بعدم إفشاء هذا السر لكي يدلهما على القبر، وعقب ادائهما اليمين أمامه توجه بهما في منتصف الليل ودلهما عليه، مؤكدا انه قد نزع الخاتم الذي كان بخنصر السيد الصدر ودسه في الكفن ليظل علامة دالة على قبره ورفاته.

وفي عام 1991 إبان الانتفاضة الشـعبية ضد النظام المقبور قام رجال الأمن باقتياد أخي من منطقة خان المخضر في النجف واعتقاله من اجل التحقيق معه حول ما إذا كان تحدث لأحد حول مكان قبر السيد الصدر، فنفى ذلك جملة وتفصيلا فأفرج عنه بعد أن تحمل أنواع التعذيب.

(لقد اضطر أخي لأن يخفي هذه المرة الحقيقة)، كما قال عباس بلاش. وأضاف: لقد اتفقت مع أخي أن الظروف لم تكن تسمح بعد الانتفاضة بأن نستمر في حمل السر وحدنا. واتفقنا على إبلاغ نفر قليل من أقرب أنصاره، وعمدنا تحت جنح الظلام إلى نقل الجثمان إلى مكان آخر على بعد ثلاثة آمتار من الأول.

وقد صدق حدسنا حيث قام رجال الأمن بعد عودة سيطرة نظام صدام على المدينة بهدم القبر الأول اعتقادا منهم أن الجثة مازالت فيه!

وهكذا ظل الأمر طي الكتمان حتى حانت ساعة الخلاص من صدام ونظامه المجرم فبادر أخي إلى كشف هذه الحقيقة بكافة ملابساتها ومعاناتها التي تحملناها كل تلك السنوات.

وبادر نفر من أصدقائه الذين حملوا السر معنا إلى إعادة تكفين الجثمان، ومن ثم دفنه في هذه البقعة الجديدة لتكون مزاراً.

نعم الحزن وحده يهز اطراقة الصحراء النجفية، ويحثو رمال الرذيلة بوجه صدام وزبانيته المجرمين.

الإسلام منهج حياة – دروس من فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر

قد حدّد القرآن الكريم في نصٍّ آخر صفة هؤلاء المستضعَفين الّذين ترشّحهم ثورة الأنبياء عليهم السلام لتسلُّم مقاليد الخلافة في الأرض، إذ قال الله تعالى: “الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور “1.

ثانياً: إنّ صراع الأنبياء عليهم السلام مع الظلم والاستغلال لم يتّخذ طابعاً طبقيّاً كما وقع لكثير من الثورات الاجتماعيّة,

1-سورة الحج، الآية: 41.

لأنّه كان ثورة إنسانيّة قد حرّرت الإنسان من الداخل من خلال الجهاد الأكبر قبل كلّ شي‏ء، ولم يكن جانبه الثوريّ الاجتماعيّ إلّا بناء علويّاً.

وقد استطاع الإسلام بعمليّة التحرير من الداخل، أنْ يُنبّه في النفوس الخيّرة كلّ كوامن الخير والعطاء، ويُفجِّر فيها طاقات الإبداع على اختلاف انتماءاتها الطبقيّة في المجتمعات الجاهليّة، فكان الغنيّ يقف إلى جانب الفقير على خطّ المواجهة للظلم والطغيان، وكان مستغِلّ الأمس يندمج مع المستغَلّ في إطار ثوريّ واحد بعد أنْ يُحقّق الجهاد الأكبر فيه قيمه العظيمة.

إذاً: إنّ الثائر على أساس نبويّ ليس ذلك المستغِلّ الّذي يؤمن بأنّ الإنسان يستمدّ قيمته من ملكيّة وسائل الإنتاج وتمكّنه في الأرض، ويسعى في سبيل انتزاع هذه القيمة من يدٍ مستغِلّة، والاستئثار بها لنفسه، لكي تفرض طبيعة هذا الصراع أنْ يكون الانتماء إلى طبقة المستغِلّين أو المستغَلّين هو الّذي يُحدّد موقع الإنسان في الصراع، بل الثائر النبويّ هو ذلك الإنسان

الّذي يؤمن بأنّه يستمدّ قيمته الإنسانيّة من سعيه الحثيث نحو الله تعالى، واستيعابه لكلّ ما يعني هذا السعي من قيم إنسانيّة وفضائل أخلاقيّة، وفي الوقت ذاته يشنُّ حرباً لا هوادة فيها على الاستغلال، باعتباره هدراً لتلك القيم، وتحريفاً للإنسانيّة عن مسيرتها نحو الله وتحقيق أهدافها الكبرى.

شبهة أحكام الإسلام الثابتة في ظلّ أحكام الحياة المتغيّرة:

كثيراً ما يُثير المُشكِّكون سؤالاً حول كيفيّة معالجة مشاكل الحياة الاقتصاديّة1 في نهاية (القرن العشرين)2 على

1-الإشارة إلى المشكلة الاقتصاديّة دون المشاكل الأخرى (الثقافيّة – السياسيّة – الاجتماعيّة…) هو للدلالة على أنّ أكثر المشاكل تعقيداً وبالغة الصعوبة – والّتي نعيشها اليوم – هي المشكلة الاقتصاديّة، بل هي المدخل الرئيس – أحياناً كثيرة – إلى بروز المشاكل السياسيّة والاجتماعيّة وغيرهما. والدليل على هذا فإنّ الأزمة العالميّة المرتقبة في المستقبل القريب هي أزمة اقتصاديّة بامتياز، وتتمثّل في شح المياه العذبة، وندرتها، الأمر الّذي سيُسبّب مشاكل سياسيّة وحروب عسكريّة بين دول العالم، قد نتلمّس بعض معالمها ـ اليوم ـ بمحاولة العدوّ الصهيوني إعادة احتلال مياه الوزّاني في جنوب لبنان، ولو تطلّب ذلك حرباً عسكريّة شاملة مع لبنان وفي المنطقة كلّها.

2-كتب الشهيّد الصّدر قدس سره هذه الدراسة في أواخر سبعينات القرن العشرين المنصرم.

أساس الإسلام، مع ما طرأ على العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعد قرابة (1) قرناً من توسّع وتعقيد، وما يواجه إنسان اليوم من مشاكل نتيجة ذلك!.

والجواب: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائماً، ذلك أنّ الاقتصاد الإسلاميّ تمثّله أحكام الفقه في الثروة والمال، وهذه الأحكام تشتمل على قسمين من العناصر:

1- العناصر الثابتة، وهي الأحكام المنصوص عنها في الكتاب والسُّنة فيما يتّصل بالحياة الاقتصاديّة.

2- العناصر المرنة والمتحرِّكة، وهي تلك العناصر الّتي تُستمدّ – على ضوء طبيعة المرحلة في كلّ ظرف – من المؤشّرات الإسلاميّة العامّة7 والّتي تدخل في نطاق العناصر الثابتة.

وبالتالي لا يُستكمل الاقتصاد الإسلاميّ إلّا باندماج العناصر المتحرّكة مع العناصر الثابتة في تركيب واحد تسوده روح واحدة وأهداف مشتركة.

أما عمليّة استنباط العناصر المتحرّكة وتحديدها من المؤشّرات الإسلاميّة العامّة فهي تتطلّب ما يلي:

1 – منهجاً إسلاميّاً واعياً للعناصر الثابتة.

2 – استيعاباً شاملاً ودقيقاً لطبيعة المرحلة، وشروطها الاقتصاديّة، وأهدافها، وأساليبها الّتي تتكفّل بتحقيقها.

3 – فهماً فقهيّاً قانونيّاً لحدود وصلاحيّات الحاكم الشرعيّ.

التدحيات التي انطلق منها الشيهد الصدر؛ بقلم أمير البصري

المشروع الحضاري (الفكري والسياسي والاجتماعي) الذي تبناه وطرحه اية الله العظمى والمرجع الاسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) تقع علينا مسؤولية تجليته وتظهيره لفهمه بعمق اولا ولحاجتنا الماسة والضرورية وللامانة العلمية من هذا المشروع في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية والسياسية الآنية التي نعيشها. ان أي حركة في التاريخ لا يمكن ان تدرك وتفهم خارج اطارها التاريخي وخارج الظروف والتحديات والشروط الموضوعية التي تحيط بها، تؤثر فيها وتتأثر بها سلبا او ايجابا.

فما هي الظروف والشروط الموضوعية والتحديات التي اطلقت او انطلق منها مشروع السيد الشهيد؟ ثمة آنذاك ثلاثة تحديات واجهها سيدنا الشهيد كانت تواجه الاسلام والمسلمين عامة وتواجه العراق بخاصة  كدولة ونظام حكم منذ الخمسينات وحتى استشهاده رضوان الله عليه في نيسانابريل 1980. واجهها ونازلها السيد الشهيد كأعظم ما تكون المواجهة والمنازلة.

كانت نتيجة المواجهة والاستجابة لهذه التحديات ان قدم سيدنا الشهيد اطروحة حضارية متكاملة للاسلام على المستوى الفكري والثقافي وعلى المستوى الانساني والاخلاقي وعلى المستوى السياسي و الاجتماعي في الصراع مع النظام الطاغوتي.

التحدي الاول: يتعلق بسيادة المفاهيم والعقائد الجاهلية للحضارة المادية التي تستبعد الدين وقدرته على قيادة الحياة و الحكم والسياسة فضلا عن إلحادها بوجود الخالق سبحانه.

التحدي الثاني: يتعلق بسيادة التخلف والجهل والتقاليد والشكليات في واقعنا السياسي والاجتماعي والديني والعلمي… التخلف في اساليب التعبير والحياة والدراسة والعلاقات.

التحدي الثالث: يتمثل بتسلط نظام شمولي قمعي في العراق منذ عام 1968 هو نظام البعث – صدام حسين- امام التحدي الاول الفكري والثقافي الحضاري الغربي للاسلام. اصدر سيدنا الشهيد في اوائل (الستينات) (فلسفتنا) عالج فيه نظرية المعرفة في المنطق الارسطي والاسلامي التاريخي والفلسفي الوضعي الغربي، واثبت وجود الخالق سبحانه في ضوء اي من منطلقات المنطق الثلاثة هذه.

ولم يكتف السيد الشهيد بذلك فحسب وانما واجه الفكر الغربي بوجهه الجديد الذي تزعزعت فيه ثقته بالمنطق الارسطي الذي يؤمن بالاوليات العقلية كأساس والتي لا تحتاج الى برهان كالجزء اصغر من الكل ولكل معلول علة وسبب و1+1=2…الخ وذلك بعد تأثره بالنظرية النسبية عند انشتاين، وكان برتراند راسل الفيلسوف الانكليزي كبير منظري هذا الاتجاه الذي ذهب الى ان العادة والتكرار هي التي توحي لنا بوجود سبب وعلة لكل حادث و هكذا في البديهيات الاخرى.

واجه السيد الشهيد بسفره العظيم (الاسس المنطقية للاستقراء) هذا الفكر، وعالج نظرية الاحتمالات – رياضيا – واثبت بفرضيات الاستقراء والاحتمال وجود الخالق سبحانه، فحتى لو لم نؤمن بالمنطق الارسطي والفرضيات والبديهيات الاولية العقلية، واعتمدنا الاحتمالات والاستقراءات جميعا بالفرضيات والمعالجات الرياضية لنظرية خلق الموجودات فستنتهي بنا هذه الاحتمالات رياضيا للاذعان بوجود الخالق سبحانه. وهذا السفر العظيم (الاسس المنطقية للاستقراء) فتح نادر وعملاق في مواجهة واسقاط الفكر الالحادي الغربي، يحتاج الى دراسات توضيحية وترجمات للغات الحية ليؤتي أكله العظيم.

وفي سياق التحدي نفسه اصدر كتاب (اقتصادنا) في الاجابة على تساؤل كان قائما وكبيرا ان الاسلام ليس فيه مذهب اقتصادي خاص به كالاقتصاد الرأسمالي او الاقتصاد الاشتراكي.. فكان كتاب (اقتصادنا) اول واخر محاولة حتى هذا التاريخ لاكتشاف المذهب الاقتصادي في الاسلام.. نعم كل ما كتب سابقا ولاحقا كان في علم الاقتصاد او في القوانين المالية واخلاقيات التعامل المالي في الاسلام ولم تصل هذه المحاولات جميعا حتى اكتشاف الاسس والقواعد العامة والاتجاهات الرئيسية للنشاط الاقتصادي والمالي في المجتمع والدولة الاسلامية، واوضح السيد الشهيد الميزات والايجابيات لهذا المذهب الاقتصادي على الاقتصادين الاشتراكي والرأسمالي فضلا عن عيوبهما وسلبياتهما.

وكلما استدعت الحاجة لابراز فكر ومعالجة الاسلام لموضوع ما كان السيد الشهيد ينبري لاجابة علمية حضارية كما فعل في (البنك اللاربوي في الاسلام) عندما بعثت دولة الكويت تسأله عن ذلك. فكان الرائد الاول في هذا الموضوع وكما فعل .رضوان الله عليه في ديباجة ومقدمة قوانين دستور جمهورية ايران الاسلامية وفي مجال التفسير طرح السيد الصدر التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وهو منهج علمي استقرائي جديد ينطلق من الحاجات الموضوعية للحياة.

وكما طرح نظريته في المنهج التاريخي وهي نظرية (السنن الالهية) الواردة في القرآن الكريم (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (ولن تجد لسنة الله تحويلا). وان هذه السنن التاريخية الالهية تعمل كما يعمل القانون الطبيعي.. وتحتاج الى تقنين  واكتشاف.

وفي مجال المجتمع وحراكه والعلاقات الاجتماعية المختلفة كانت له نظريته في الاجتماع الانساني والعلاقات الانسانية التي لم تر النور لان ظروف قهر النظام منع كتاب (مجتمعنا) من الصدور كما صرح وذكروا عنه رحمه الله ان الخطوط الرئيسية للكتاب كانت مكتملة في ذهنه.

وبكلمة واحدة كانت أطروحات السيد الشهيد الفكرية والعلمية وفي المجالات كافة: الفلسفة والاقتصاد والتاريخ والتفسير والاجتماع وعلوم الشريعة كالاصول والفقه تمثل مدرسة متكاملة طرحت الاسلام طرحا حضاريا متكاملا يعالج كل القضايا .

التحدي الثاني: كان في سيادة انواع من الجهل والتقاليد والشكليات والتي تحولت مع مرور الزمن الى معوقات في عمليات التغيير المطلوبة في مشروعه الحضاري. فعندما طرح (فلسفتنا) و(اقتصادنا) فقد احدث دويا في اجواء الحوزة الدينية في النجف الاشرف التي لم تعتد ان يكتب او يدرس عالم دين الا في مجال الفقه والاصول فقط ومقدمات في المنطق واللغة تعين الطالب على موضوع استنباط الحكم الشرعي كهدف اساس يقتصر طالب الحوزة عليه.

وحتى في مجال الفقه والاصول عمل على تطوير مناهج البحث والدراسة فيهما فكتب (معالم في الاصول) باجزائه الثلاثة لاعانة الطالب في رحلة السطوح بالاعتماد على كتاب علمي منهجي حديث في الاصول بدلا من الكتب التقليدية التي تكتنفها صعوبات في الاسلوب والمصطلحات.

وفي الفقه كتب رسالته العملية في العبادات (الفتاوى الواضحة) فكانت بحق نقلة نوعية في اسلوب الرسالة العملية التقليدي الذي كان معتمدا ولما يزل لدى غالبية المراجع الاخرين على اسلوب قديم يعتمد التبويب القديم و على مصطلحات علمية وفقهية تربك في الغالب المقلد (بتشديد اللام و كسرها) في فهم المسألة الفقهية فكانت (الفتاوى الواضحة) بحق واضحة للمكلف وتعتمد تبويبا موضوعيا وسلسا ووجد المسلم المكلف ولاول مرة رسالة عملية باسلوب مختلف وحديث ومفهوم.  وكان يتطلع الى موضوع اصلاح الحوزة ليس في مجال مناهج البحث والدراسة فحسب وانما كان يرى ثمة للحوزة دور رسالي الهي يجب ان تضطلع به في مجال تبليغ رسالة الاسلام الانسانية.. الامر الذي يتطلب اصلاحا في بنيتها كمؤسسة لا ينبغي ان تنحصر في المجال العلمي الفقهي فحسب بل تعنى بجوانب الحياة العديدة  الاجتماعية والسياسية وغيرها.

التحدي الثالث: او فلنقل الظرف الموضوعي التاريخي، الذي وجد فيه السيد الشهيد الامة عليه في العراق وغيره من بلدان العالم الاسلامي وهو رزوحها تحت نير انظمة دكتاتورية وعميلة للاستعمار، وفي ظل تخلف في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما نظام بعث – صدام حسين الذي كان يجثم على صدور العراقيين قاتلا فيهم كل امكانيات التطور والتنمية ، غالقا عليهم كل منافذ الوعي والحرية والحياة الكريمة. ولانه رضوان الله عليه كان يحمل ويختزن قدرات وصفات القائد الحركي الفعلي ليس على المستوى النظري الذي قدم فيه اطروحة التغيير الشاملة لنواحي الحياة بمشروعه الحضاري التغييري – كما اسلفنا – والتي لا يمكن ان تشرع في تحققها الفعلي على الارض، ان لم يصاحبها شرط العمل الميداني السياسي الحركي، الذي لم يتوان السيد الشهيد عن خوضه وقيادته في غمار الامواج العارمة التي كانت تضطرب فيها ساحة العراق و المنطقة وضمن الشروط الموضوعية المحيطة بها. فكانت البداية في تحركه السياسي بعد موجة الوعي التي بثتها اشعاعات الافكار التي طرحها في كتاباته ومؤلفاته ولقاءاته حيث كانت الحاجة الموضوعية ضمن ظروف الكبت القاهرة التي فرضها النظام العراقي آنذاك لبناء الجماعة الاولى المؤمنة بعملية التغيير بناء عقائديا وسياسيا وفكريا وتنظيميا محكما.. وقد اثبتت التجارب التاريخية لعمليات الثورة والتغيير ان قيادة اي عمليات تغيير ما لم يصاحبها التكوين المحكم العقائدي والفكري والسياسي والتنظيمي للجماعة الاولى المؤمنة تكون غالبا عرضة لاحتمالات الاختراق والتزييف والانحراف والسرقة للثورات. ولذلك وجدنا السيد الصدر يقود ويسهم مساهمة اساسية وفعالة (مع ثلة من العلماء و الواعين) في تأسيس وبناء افكار والنظام الداخلي لعمل (حزب الدعوة الاسلامية)،وأشرف حتى بعد خروجه التنظيمي منه على توجيهه وسلامته الفكرية و مواقفه السياسية. هذا الحزب الذي سيكون له دور فاعل وكبير في مواجهة النظام وتقويضه طوال اربعة عقود حتى الاطاحة به، وسيكون ايضا له دور لملاكات اخرى في عمليات التغيير في اقطار العالم الاسلامي الاخرى.

ثم ينطلق رضوان الله تعالى عليه بعيد تأسيس هذا الحزب والتنظيم الذي اطلقه في الامة كونه يمثل احدى ركائز عملية التغيير، انطلق في الدائرة الاكبر لقيادة الامة جميعا الروحية والفكرية السياسية بوصفه عالما دينيا ومرجعا اسلاميا ولاسيما في ايامه المباركة الاخيرة بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران ويقود المعارضة الثورية الاسلامية بذاته وبنفسه في مواجهة اعتى نظام طاغوتي في المنطقة، ورغم عدم توافر اية امكانيات لنجاحها الاني، وليكون استشهاده الرمز الكبير والفاعل لحركة الامة والشعب العراقي في رفض هذا النظام. ولاكتمال صورة المشروع الحضاري الحركي الذي قاده السيد الشهيد الصدر لا بد من احتساب احد اهم شروط نجاح المشروع، وهو ما تمتلكه وتختزنه شخصية القائد من اخلاقيات وخصائص ومميزات ومصداقية حيث تكاد تجمع انطباعات كل من التقاه ولو لمدّة قصيرة وكذلك انطباعات اساتذته وتلاميذه فضلا عن اعلميته الفكرية الفذة  و تؤكد على شخصية روحية شفافة ذات عاطفة انسانية جياشة بحب الناس، واخلاقيات غاية في السمو والانسانية، وزهد وتقشف في العيش، وشجاعة في اتخاذ المواقف والقرارات.

وباختصار يؤكد كل من التقاه انه ليذكر باخلاق الانبياء والائمة عليهم السلام.

بعد هذه الجولة السريعة في فهم المشروع الاسلامي الحضاري الذي طرحه السيد الشهيد وقاده ودافع عنه حتى الشهادة نستطيع ان نحدد ملامح هذا المشروع وخصائصه ومسؤوليتنا ازاءه بالنقاط الآتية:

1 ـ  انه مشروع حضاري انساني استيعابي متكامل يتناول فهم ومعالجة كل قضايا الانسان على مستوى الاعتقاد والعبادة والاخلاق والاجتماع والاقتصاد والتاريخ… ومن هنا فان أي اجتزاء لنظريات الاسلام وفهمه وطرحه مجتزئا يعد خللا كبيرا في النظرية، كما يحاول اليوم البعض حصر قضية الاسلام في قضية عقائدية معينة او ان يحصر قضية الايمان باحدى الشعائر والشكليات الطقسية.

2 ـ انه مشروع انساني – اخلاقي يحاول استيعاب الانسان ليس بمصداقية عقائده وافكاره فحسب وانما باخلاقياته ورحمته بالناس كذلك وحبه لهم واحترامه للانسان بالانفتاح عليه بالحوار الانساني الاخلاقي غير مستهين بمشاعره باحثا عن المشتركات والاساسيات المتفق عليها وصولا للحقائق، خلافا لما نشاهده اليوم من البعض من تطاول ومهاترات واساليب لا اخلاقية في النقاش والحوار فاقدا بذلك احد اهم بل اعظم ركائز اعمدة الاسلام وهي الاخلاق فما فائدة دين بلا اخلاق…!؟

3 ـ انه مشروع علمي منطقي يحاول فهم الاخر والمعتقدات في ضوء الواقع والظروف والشروط الموضوعية وبالتالي هو لا يتحايل ويقتنص على الاخرين العيوب والخلل وانما يدرس ويحقق معتقدات وفرضيات الاخرين في ضوء الواقع والشروط والظروف الموضوعية التي انتجتها. وبذلك يؤكد مصداقيته وصدقه عند الاخرين حتى نقل عن بعض الشيوعيين العراقيين انهم فهموا الماركسية من كتابات الشهيد الصدر.

4 ـ ولكونه مشروعا علميا فإنه ينتج عنه مشروعا منفتحا فكريا وسياسيا واجتماعيا ولا يضيق ذرعا بأي من الاخرين المختلفين معه فكريا وعقائديا وسياسيا واجتماعيا..

وهو انفتاح حضاري انساني اخلاقي علمي غير مفتعل و منطلق من المشترك الانساني. وثمة أدلة عديدة في حراك السيد الشهيد السياسي والاجتماعي والفكري وانفتاحه على الاخر يؤكد ذلك.

5 ـ انه مشروع تجديدي متطور لم يقف عند شكل واحد في اسلوب العمل السياسي والمواجهة وفكريا لم يقف في معالجته لنظرية المعرفة عند المنطق الارسطي وتجاوزه الى نظرية الاستقراء والاحتمالات عند برتراند راسل.

6 ـ انه مشروع حركي عملي ومن هنا كانت تتمثل وتنعكس خطورته على الطغاة وعلى المشروع الاستعماري فلم تكن اطروحاته في التغيير نظرية وفكرية فحسب بل كانت له مناهجه في عمليات التغيير السياسي و الاجتماعي والاقتصادي .

وبذلك كان يتوسل بأي من الاساليب التنظيمية والمرجعية والجماهيرية وغيرها لتحقيق اهداف الاسلام في مشروعه.

خمس محطات في حياة الشهيد محمد باقر الصدر بقلم/ جاسم محمد جعفر البياتي

المحطة الاولى: شرارة الانطلاق

التقت عائلتان عملاقتان (ال الصدر مع ال ياسين) فأثمرت بركانا لا يطفأ وزلزالا لا يهدأ، فولد محمد باقر الصدر وذلك في يوم الاحد في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة من عام (1352هـ)، الموافق للثامن والعشرين من شهر شباط/ فبراير من عام (1935م)، فكان مولده مبعث فرحة عارمة اهتزت لها جوانب البيت الذي ضمّ السيد حيدر الصدر وكريمة آل ياسين، وقد مضى على أول وليد لهما ما يربو على عشرة أعوام. وها هو الوليد الثاني يطل عليهما بالفرح والسرور والالفة والمودة. لكن القدر فاجأ البيت ودخله دون استئذان فهز أركانـه بقـوة معلناً وفاة الاب (السيد حيدر الصدر). كان ذلك في عام (1356 هـ) ولم يمض على ولادة الشهيد الصدر ما يزيد على ثلاثة أعوام.

وقد نشأ وترعرع الشهيد الصدر في الكاظمية ما يقرب من ثلاث عشرة سنة، تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية التي أسسها السيد مرتضى العسكري والمرحوم احمد الأمين سنة ١٣٦٢ هج، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ، وقد لاحظ عليه اساتذته ان اهتماماته الفكرية تتجاوز عمره بكثير من قبيل اطلاعه في تلك السنّ المبكرة على الفلسفة الماركسية فضلا عن مطالعاته المتنوعة واطلاعه على الاعمال الفكرية لعدد من مشاهير الغرب.

بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية، في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر، وكان يعترض على صاحب المعالم، فقال له أخوه: إن هذه الاعتراضات هي نفسها التي اعترض بها صاحب كفاية الأصول على صاحب المعالم.

المحطة الثانية: ابداع وتفان

في سنة 1365 هـ هاجر سيدنا الشهيد المفدى من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله تعالى عليه).أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي (رحمه الله).بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً .

بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادى الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتاريخ 12 / ربيع الأول / 1391، وشرع بتدريس الدورة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381هـ .

ان اهم ابداعين في العقد الثاني من حياة الشهيد الصدر هما كتابي فلسفتنا واقتصادنا، اللذان آتيا ثمارهما بعد عمل شاق وتفاني ودراسة صبورة في أفكار بعيد نوعا ما (الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية والوجودية) عن جو الحوزة العلمية وبالعكس كان التقرب لهذه الأفكار بحد ذاته تهمة وتشويه سمعه ومرفوضة في تلك الأجواء ولكن الشهيد لم يبالي وتمعن ودرس هذه الأفكار بعمق وتحليل وكانت النتيجة هذان الكتابين العملاقين :

”فلسفتنا” وهو مرجع هام وفى الفلسفة الاسلامية المقارنة مع النظريات الفلسفية فى عالمنا المعاصر اليوم، ويعد بحثاً عميقاً فى نقد النظريات الفلسفية وإعطاء الفلسفة الاسلامية حيويتها وروحها

“اقتصادنا”، ويتحدث فيه عن الاقتصاد فى النظرة الماركسية وانتقد نظرية الديالكتيك بانتقادات واشكالات لم تشهد النظرية مثيلاً لها، ثم نقد بعد ذلك الأفكار الرأسمالية وفى محاولة منه لاكتشاف النظرية الاقتصادية فى الاسلام وضع الأسس التى يقوم عليها الاقتصاد الاسلامى ثم أردف بها تطبيقات للاقتصاد الاسلامى.

ولقد كان هذا العطاء القمة في زمانه ليٌسلح الشباب المسلم بسلاح الفكر والأيمان، وليرفعهم من الدفاع السلبي إلى الهجوم الايجابي وكان وقعها عظيما آنذاك حيث هز ضمير البشرية وارجع للإسلاميين ثقته وعنفوانه وفتح لهم آفاق العلم والممارسة السياسية للوقوف امام التيارات المعاندة .

اليوم الكل يرى كيف انحسرت تلك الأفكار الإلحادية وولت بلا رجعة وفي المقابل وبدلا عنها أينعت وأثمرت تلك الأفكار الإسلامية الهادئة المسالمة التي أسسه وتبناه الشهيد الصدر رض وهي محصنة في أذهان معتنقيه، دافعوا عنها بالدماء الغالية وفي السجون ودار الهجرة، كما يدافع عن هذه الأفكار تيار من الشباب في العالم الاسلامي اليوم وفي عصر العولمة، ان عصر العولمة ونتائجها السلبية على الشباب المسلم المعاصر والأفكار السلفية الجهادية والتكفيرية لا تقل سلبا وتخلفا وهدما لعقول الشباب من الاثار السلبية للعولمة، كلا الفكران (العولمة والتكفير) هما السيفان الذان سلطا على رقاب شبابنا، لابد من فكر يتحدى هذه الأفكار الضالة ويفتح الافاق امام شبابنا ليتبنى أفكار الاسلام الأصيل، ان الجذوة المتقدة التي اوقده الشهيد الصدر في ريحانة شبابه امام الماركسية والرأسمالية لاتزال قادرة على ان تقف امام العولمة والتكفير وان تسليح شبابنا بهذين الكتابين سيعطي القدرة والقوة لشبابنا لتصدي تلك الأفكار الضالة.

المحطة الثالثة: بناء المؤسسات واركان العمل الاسلامي

ان هم ركيزة تتميز به الشهيد الصدر عن الاخرين تبنيه مفهوما سياسيا للإسلام وايمانا عميقا بحاكمية الاسلام على المعمورة وهذا لا يتم الا بتأسيس حكومة إسلامية في دولة معينة منبثقة من مجتمع مسلم يتبناه نخبة من العاملين والدعاة الى الاسلام وهذا واضح في أسسه العشرة في ادبيات حزب الدعوة الاسلامية وعلى اثر هذا الاعتقاد .

قام الشهيد الصدر رض بتشكيل حزب إسلامي سماه بـ (حزب الدعوة الاسلامية) في العام(1957/1377) وعمره 22 عاما وهو في أوائل العقد الثالث، ولم يكن تأسيس الحزب عند السيد الشهيد بعاطفة او نزهة إنما سبقته قراءة واعية للاحداث والمعطيات اشترك فيها عدد من المخلصين والمقربين للشهيد الصدر.

وقد سجّل كبار العلماء حضوراً بارزاً في (حزب الدعودة الاسلامية) في مقدمتهم الامام الشهيد والسيد مرتضى العسكري والشهيد السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والشيخ علي الكوراني والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ مهدي السماوي والشيخ محمد مهدي الآصفي… وهو ما حقق للحزب فرصة كبيرة للصمود والارتقاء التدريجي على الرغم من غياب الدور الحقيقي للمراجع في ميلاده (1). غير أن دعم المرجع الاعلى السيد محسن الحكيم في ذلك الوقت كان واضحاً وحقيقياً، وتجلى في انتماء اثنين من أنجاله في الحزب وهما الشهيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم، فضلا عن انخراط عدد كبير من وكلائه وفي مقدمتهم السيد العسكري. هذا علاوة على أن تحرك الحزب كان ـ في الغالب ـ يتم من خلال مؤسسات كانت تحمل اسم (المرجع) السيد الحكيم كما في (مكتبات) السيد الحكيم المنتشرة في معظم المناطق العراقية والتي يديرها ويحضرها عشرات الدعاة، والاحتفالات والمهرجانات التي يحييها الدعاة تحت ظل السيد الحكيم وبرعايته (2).

وقد سعى حزب الدعوة الاسلامية جاهداً لكسب تأييد المراجع ومباركتهم، وفي هذا الاتجاه أطلع السيد الشهيد استاذه السيد الخوئي وأخبره بتأسيس الحزب، كما سلّمه نسخة من (الاسس) التي كتبها الشهيد الصدر، كما أنه أطلع خاله الشيخ مرتضى آل ياسين.

وفي العام 1961 انسحب سماحته من هيكلية التنظيم بناء على نصيحة من السيد الحكيم ـ كان ذلك اثر حملة تعرض لها السيد الصدر بوجه خاص قادها حسين الصافي وآخرون نيابة عن حزب البعث العراقي في محاولة استعداء المراجع وأفاضل حوزة النجف عليه،

اثر تلك (الحملة) كتب الشهيد الصدر الى (القيادة) يعتذر لها عن مواصلة العمل التنظيمي بشكل مباشر، وقد نقل الكتاب السيد مهدي الحكيم وسلّمه الى صالح الأديب(1).

يقول اية الله الشيخ الفضلي رحمة الله عليه : (لم يترك السيد الصدر الدعوة، وانما بالنظر الى حاجة الامّة الى مرجعية قائدة بعد وفاة السيد الحكيم ارتأت الدعوة ترشيحه للمرجعية لما يملك من شخصية قيادية .

هذا عطاءه في العقد الثالث من عمره الشريف الذي افاق عطاءه في العقد الثاني وهو يقر تاثير الأحزاب والحركات الإلحادية الوافدة من الغرب ودورها التخريبي لأذهان الشباب فتبنى نظرية جده السيد عبدالحسين شرف الدين (ره) ( لا ينتشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال ) وكان السبّاق في تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، الحزب الذي غير خريطة المنطقة الإسلامية بل العالم بأجمله و حيث بدِأت ثلة مؤمنة صابرة يقودهم الشهيد الصدر ومعه ثلة من العلماء الواعين وبرعايته الشخصية ويحرص عليهم بفكره ونظرياته العبقرية رغم التشويش والاتهامات التي كانت تنهال من هنا وهناك على شخصه الكريم سواء من الحوزة العلمية ومن كبار العلماء او من أعداء الدين من اذناب البعث والأفكار الهدامة الاخرى ما فتئ حتى انظم في صفوفه عدد كبير من الشباب والمثقفين وخاصة طلاب الجامعات والأساتذة والطبقة الواعية من رواد الحوزة العلمية، فتلاقحت أفكار المدرستين، مدرسة الدراسة الأكاديمية في الجامعات ومدرسة الدراسة التقليدية في الحوزات العلمية آنذاك فكانت ثمرتها هذا الجيل الهادر من الأفكار والتوجهات والتي تحولت إلى حركة دؤوبة وقادت الصحوة الاسلامية المعاصرة ولا تزال هذه الصحوة تسير بافكار ومتبنيات ذلك الرجل العظيم ومن تربى بيده ومعه أمثال اية فظل الله وشمس الدين وموسى الصدر والفضلي والصدر الثاني هذا من المرحومين اما من الأحياء فأية الله الحائري والهاشمي والاصفي والناصري اضافة الى تيار من الشباب في حزب الدعوة الاسلامية استمرت الى يومنا هذا .

ان الاحترام الكبير الذي يكنه الشعب المسلم في العراق ودوّل اخرى في المنطقة لهذا الحزب ماهو الا احترام وتقدير لذلك السيد الكريم الشهيد اية الله محمد باقر الصدر .

المحطة الرابعة: رسالة وقيادة

واستنادا على ما جاء فان ابتعاده عن هيكلية الحزب كان ضمن نظام ومنهج باتجاه قيادة الأمة، لان الحزب سيبقى العامل الأساسي لترسيخ المجتمع الاسلامي وتوجيه الحركة السياسية الاسلامية باتجاه بوصلة القيادة الاسلامية، لذا تبنى الشهيد الصدر في عقده الرابع من عمرة مشروع القيادة الاسلامية، وهذا لا يمكن تنفيذه الا من خلال المرجعية الدينية وهذا المعمول في المجتمع الاسلامي بشكل عام واتباع أهل البيت ع بشكل خاص، القيادة العليا متمثلة دائما بالمرجع العظمى، لذا توجه السيد الشهيد رض بوضع آلية جديدة كيف تكون المرجعية العظمى القادرة على قيادة المجتمع والدول الاسلامية، وهل الموجودة في الوسط الشيعي قادرة لمواكبة العصر والتطور الحاصل في آلية القيادة والإدارة، وكان مشروعه القيادي المبدع المرجعية الرشيدة في حياة الأمة، المرجعية التي تأخذ المجتمع الاسلامي في ظرف متلاطم نحو شاطئ الأمان، انطلق الشهيد الصدر وهو يحمل خلافة الانسان على قيادة الأمة فبدأ بتاسيس بذرة شورى المرجعية من خلال اختياره العلماء الواعين الذين يحملون فكره ونهجه من العلماء الذين تحملوا معه اعباء العمل الاسلامي السياسي، وان هذا الشورى الذي يمثل قياداته من علماء وقادة العالم الاسلامي وهم من العراق وإيران ولبنان والكويت والبحرين والسعودية واليمن وباكستان وافغانستان اضافة الى أوربا وأمريكا ومصر وشمال افريقا، وبعد إكمال شورى المرجعية طرح مشروع المرجعية الرشيدة، والهدف منها تنظيم إدارة المرجعية ومكتب المرجع الأعلى ليكون قادرة على متطلبات الحياة وتعقيداتها وان تنطلق أوسع من العبادات والمعاملات لتكون قائد الأمة الاسلامية لبناء دولة إسلامية راسخة لقيادة المجتمعات الاسلامية امام النظم الحديثة في إدارة الدول، وبعد المرجعية الرشيدة تلاه مشروع المرجعية الموضوعية ايمانا منه ان تتغير اُسلوب الاجتهاد والوصول الى القيادة والمرجعية العظمى والية التدريس وإعطاء الشهادات العلمية للعلماء ليشمل كل الكيان العلمائي في إدارة دفة الاجتهاد والتدريس الحوزوي في جسم الشيعة في العالم، كما التفت الشهيد الى نقطة هامة وهى تعرض المرجع للموت فقال عن هذه النقطة:

”فلابد من ضمان نسبى لتسلسل المرجعية فى الانسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعية الصالحة لئلا ينتكس العمل بانتقال المرجعية الى من لا يؤمن بأهدافها الواعية ولابد أيضاً من تهيئة المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدأ ممارسة مسئولياته من حيث انتهى المرجع العام السابق بدلا من ان يبدأ من الصفر ويتحمل مشاق هذه البداية وما تتطلبه من جهود جانبية، وبهذا يتاح للمرجعية الاحتفاظ بهذه الجهود للأهداف وممارسة ألوان من التخطيط الطويل المدى، ويتم ذلك عن طريق شكل المرجعية الموضوعية اذ فى اطار المرجعية الموضوعية لا يوجد المرجع فقط بل يوجد المرجع (كذات) ويوجد (الموضع) وهو المجلس بما يضم من جهاز يمارس العمل المرجعى الرشيد وشخص المرجع الصالح فى حالة خلو المركز، وللمجلس وللجهاز – بحكم ممارسته للعمل الجماعى ونفوذه وصلاته وثقة الأمة به – القدرة دائماً على اسناد مرشحه وكسب ثقة الأمة،، فرحم الله الإمام الشهيد محمد باقر الصدر المرجعية الدينية الوحيدة التي لم يكّون لنفسها حاشية حوزوية بل حاول أن يقضي على البيوتات التقليدية لأبناء وأحفاد وحواشي المراجع واستبدلها إلى مدارس فقهية وأصولية، وكتب كتبه الأربعة في الأصول التي غيرت المناهج والخطط في الحوزة العلمية، وكما ادخل للحوزة دراسة اللغات الأجنبية والرياضيات المعاصرة وكتابه (الأسس المنطقية للاستقراء )كتاب فلسفي رياضي عظيم هز الفكر الحوزوي التقليدي وأعطى له فكرا خلابا وتنافسا جذابا في النقاش والتجاذب، واليوم تحولت الحوزات العلمية بجهده الكريم إلى مدارس وكليات مرموقة تستقبل الوافدين إليها وبشروط اكثر تعقيدا.

نعم كان فكر الشهيد الصدر خلابة في إيجاد نقلة نوعية في قيادة الأمة من خلال المرجعية الدينية الرشيدة، ولكن لم يتوفق لتطبيق نظريته الاسلامية في قيادة الأمة متهما اياه الخروج عن الأمة كما اتهم جده الحسين ع لتنهال عليه من القريب والبعيد تهما واقاويل وتحول التيار العام ضده وهو أقوى منه، وهذا التيار سواء كان من قبل الأعداء الذين اغتالوه حيّا قبل استشهاده عندما حاصروه فردا وحيدا يعاديها الحوزة العلمية ببعض شخوصها قبل ان يعاديه النظام الصدامي .

المحطة الخامسة: مشروع الشهادة والخلافة

قدم الشهيد الصدر في مراحل حياته كما ذكرناه نمطا جديد من الفكر الاسلامي وأسلوبا مبدعا يختلف عما قدمه العلماء الاخرين، وتابع خطى وآثار هذا الاسلوب لحظة بلحظة ايمانا منه ان يأخذ حيّز التنفيذ وهو تطبيق حكم الله على الارض ولكن بأسلوب علمي راق، نعم عندما وصلت نتائج فكره الفذ الى مراحل عليا بالتنفيذ وتزامن هذه النتائج مع تأسيس اول حكومة إسلامية في الارض رفع رايتها اية الله العظمى السيد الخميني ره، تبنى مشروعه الكبير الذي قدم من قبسات حياته من عمره الشريف من اجله وهو تطبيق حكم الله في الارض وقدم نفسه جنديا من جنود الله في خندق العدل الالهي تحت راية اية الله الخميني لتحقيق الهدف المنشود، رغم علمه الشديد تبعات تلك الوقفة المشهودة وأعلن وقوفه مع اية الخميني ره بل وقدم مشروعه الاسلامي وهو مشروع ودستور الحكومة الاسلامية العادلة الى الجمهورية الاسلامية وهو اول مشروع يقدم بأسلوب عصري جديد، نعم انه كان يعلم عندما أعلن تأييده للخميني يكلفه حياته، وأعلن بكل وضوح تصميمه للشهادة (اني صممت على الشهادة) من اجل العدل اللهي المشهود، لذا فان حياته الكريمة في العقد الخامس منه كانت حبلى بالعمل والمفاهيم الاستراتيجية لانها تصب نحو الأمل المنشود هو تأسيس الحكومة الاسلامية .

ففي هذا العقد من عمره وهو الأخير وقفتان احداهما أعظم من الثاني وكلاهما معا نتائج عمره المديد الأولى مشروع الدولة الإسلامية والثانية مشروع الشهادة والخلافة.

ففي كتبه سلسة (الإسلام يقود الحياة) والحكومة الإسلامية قد أبدع إبداعا لا مثيل له حيث فتح آفاق العالم حول إمكانية قيام الجمهورية الإسلامية والدولة الإسلامية وفق منهاج عصري جديد يوافق عليها الأفكار والتوجهات القانونية السائدة في الحكومات الديمقراطية الغربية والتي توافق عليه المنظمات والمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، ففكرة انتخاب مجلس الخبراء ومجلس الشورى وانتخاب رئيس الجمهورية من بين الشعب والتي تعتبر من لبناة أفكاره الكريمة تعتبر نقلة نوعية في النظم الديمقراطية المعاصرة وكانت لهذه الأفكار التأثير المباشر في تغيير بعض الأفكار الديمقراطية التي كانت سائدة آنذاك .

فعندما أراد أن ينال نتائج مشواره نحو الكمال في الحكومة النموذجية صمم على الشهادة بعدما أسس ووضع أركانها في المحطات الأربعة، ان مشروع الشهادة والخلافة هو مشروع على خطى مشروع جده الحسين (ع) عندما ركزه اللعين بن اللعين بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات من آل الرسول الذلة فتبنى مشروع الشهادة والخلافة اما الحكومة الاسلامية بعز وافتخار وأما الشهادة في سبيل الله واختار الشهادة في سبيل الله لان نهاية عمره الشريف هو الشهادة في سبيل الله.

المصدر/ شفقنا

زر الذهاب إلى الأعلى