مقالات وتقارير

التخبط الإسرائيلي بين فائض القوة والهزيمة الحتمية

عندما يلتزم الوحش المثخن بالجراح  “الوجار”  (1) فهذا لا يعني أن غريزة الافتراس والقتل لم تعد من طبيعته المتوحشة القائمة أصلاً على افتراس كل ما هو  أضعف منه، بل يعني العجز عن القيام بالمطاردة والتهام الطرائد.

ولعل هذه هي حال حكام تل أبيب المحكومين بثنائية متناقضة، فهم من جهة يتربعون على فائض غير مسبوق للقوة العسكرية التقليدية، إذ يعلم كل مهتم ومتابع للشؤون السياسية وصراع القوى على النفوذ والسيطرة أن الكيان الصهيوني برمته قاعدة عسكرية تنتشر فيها المستودعات العسكرية المتعددة التي تتكدس فيها كل وسائل القتل والفتك والتدمير والإبادة بما في ذلك مئات الرؤوس النووية، ومع ذلك يقف المسؤولون الإسرائيليون عاجزين وهم يتلقون الصفعات المؤلمة المتتالية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وليس أمامهم إلا وضع الذيل بين الجنبين وانتظار صفعات جديدة أكثر إيلاماً، وهذا يؤكد أن الغدة السرطانية المسماة “إسرائيل” هي في طريقها إلى الزوال الحتمي والقريب إن شاء الله.

العربدة الإسرائيلية واللجام الضاغط:
غني عن القول إن العربدة الإسرائيلية القائمة على العدوان ومحاولة مصادرة إرادة الآخرين وتحقيق ما يسمى “الانتصار بالرعب” قد زادت وتائرها في العقد الأخير جراء عاملين أساسين:
الأول خاص بدول المنطقة، حيث يتسابق حكام غالبية دول المنطقة للتمسح بأحذية المسؤولين الصهاينة، ويسعون بشتى الطرق للتبارك بالرضا الإسرائيلي لتجنب الغضب الأمريكي الذي تهتز لأدنى مؤشراته عروش قائمة برضاه، وزوالها حتمي بغضبه أو عدم الرضا عن أداء من يشغلون تلك العروش، لأن شاغليها قد ربطوا مصيرهم بيد الأمريكي وأتباعه، والعدوانية الصهيو أمريكية لا تعرف حدوداً، ولهذا اعتادت تل أبيب على العربدة وهي مطمئنة إلى أن محيطها يصفق لعدوانيتها، ولم يبقَ إلا أقطاب محور المقاومة يحولون دون تفردها سيداً مطلق الصلاحيات للسيطرة على المنطقة والتحكم بمصائر شعوبها حاضراً ومستقبلاً.
والثاني يتعلق بالدعم الأمريكي اللا محدود، وعندما نقول الأمريكي فهذا يعني دعم بقية أقطاب المحور المنضوي تحت العباءة الصهيو ـ أمريكية، ويمكن لمن يشكك في دقة هذا الكلام أن يجري مراجعة للحملات الانتخابية لجميع الرؤساء والزعماء الأطلسيين، وسيتأكد أن القاسم الأعظم المشترك يتمحور حول إعلان الدعم والتأييد المطلق لحكام تل أبيب، وهذا يعني التقاء مصالح الحركة الصهيونية مع مصالح الطغمة المتحورة من الليبرالية الجديدة بنسختها الأكثر وحشية في تاريخ البشرية.
كلا العاملين المذكورين آنفاً على الرغم من أهمية ما يبنى عليه لم يقدّم لحكام تل أبيب المطلوب، فعلى الضفة المقابلة إيران الثورة الإسلامية وبقية أقطاب محور المقاومة الذين لا يكتفون بعدم الإذعان والخضوع بل يكررون صباح مساء أن “إسرائيل” غدة سرطانية لا بد من اقتلاعها وإراحة المنطقة من شرورها، وهذا المنطق يستند لليقين بأن أصحاب الحق والإرادة منتصرون طال الزمن أم قصر، فضلاً عن التمسك بأهداب القانون الدولي في مواجهة الكيان الإسرائيلي القائم على الاحتلال والعدوان، كما أن أنصار المقاومة يتميزون بامتلاك البصر والبصيرة، وما يتعلق بهما من صبر استراتيجي ومهارات عالية في فن التفاوض، وكفاءة مميزة في إدارة الأزمات، وتهيئة البيئة المناسبة لتنفيذ الرد الصاعق في الزمان والمكان المناسبين، بحيث يقف كل من هم في الحور المعادي وكأن الطير على رؤوسهم، وهذا ليس أمنيات، أو كلام مصفوف منسق لرفع المعنويات، بل هو حقائق قائمة على أرض الواقع، ويمكن التأكد من صحة هذا بالاستناد إلى مجموعة أسس وعوامل موضوعية قائمة، ومنها:
1- رد الفعل المنفذ من محور المقاومة على أي اعتداء ينفذ ضدهم هو فعل مشروع يقره القانون الدولي وأعراف المجتمع الإنساني في الرد على عدوان موصوف ومرفوض أيضاً وفق القانون الدولي.
2- رد الفعل بالرد على العدوان لا يأتي اعتباطياً ولا عاطفياً بل عقلاني ومحسوب التكلفة والمردودية والتداعيات المحتملة، وكيفية التعامل مع جميع السيناريوهات المتوقعة، والإفصاح عن ذلك رسمياً سواء بالتصريحات التي يطلقها مسؤولو الصف الأول والثاني في محور المقاومة، أو عبر مناورات وعرض قدرات مرعبة يتمتع بها محور المقاومة، الأمر الذي يلزم أصحاب الرؤوس الحامية في المعسكر المعادي على إعادة حساباتهم أكثر من مرة قبل التفكير بارتكاب حماقة جديدة.
3- ردود الأفعال الصاعقة والضربات المؤلمة التي ينفذها محور المقاومة تأتي تتويجاً لفشل الحرب النفسية المعادية التي تبدو فصولها المنفذة باهتة مفضوحة الأهداف والمرامي والغايات، وهذا يراكم الخيبات المتكدسة في سجلات حكام تل أبيب، وكل من يشد أزرهم، ويتعاطف مع عدوانيتهم ووحشيتهم التي تهدد الجميع، بمن في ذلك أولئك الذين يقدمون لهم فصول الولاء والطاعة.
4- الردود الصاعقة التي تنفذها إيران، وبقية أقطاب محور المقاومة بشكل مباشر أو غير مباشر، أو تسليط الضوء على السيناريوهات المحتملة لتطور الأحداث وتداعياتها على لسان سماحة القائد الخامنئي دام ظله الوارف، وسماحة الأمين العام لحزب الله حفظه الله تشكل في بعض جوانبها حرباً ناجحة على الوعي لدى الداخل الإسرائيلي بخاصة، ولدى بقية القوى الدائرة في الفلك الأمريكي بعامة، وهذا بحد ذاته يحصّن مجتمع المقاومة من فصول الحرب على الوعي التي ينفذها المعسكر المعادي.
الحماقة الصهيونية والرد الإيراني المزلزل:
لا أحد ينكر أن لدى تل أبيب من معدات القتل والتدمير والإبادة الشيء الكثير، ولا ينكر عاقل أن أذرع الموساد وعملاؤه كثر، وأن أحد أهم أهداف الاعتداءات الإسرائيلية يتمحور حول زرع الرعب في نفوس وأعماق أقطاب محور المقاومة، وفي كل مرة ينفذ قادة الكيان الصهيوني عدواناً على أي طرف من أطراف محور المقاومة تأتي النتيجة عكسية، وعندما يتبلور رد الفعل وإن تأخر تكن أولى نتائجه خضَّات حادة داخل أروقة ومفاصل صنع القرار في الكيان الغاصب، وهذا يفسر ارتفاع حدة الأصوات الإسرائيلية المنتقدة لسياسة نتنياهو الذي يلحق الأذى والضرر بالمصالح الإسرائيلية وفق تصريحات منتقديه من الداخل الإسرائيلي، واللافت للانتباه أن تلك الانتقادات الحادة لا تأتي من أشخاص عاديين، أو من شخصيات إعلامية فقط، بل تشمل شخصيات من النسق الأول ومسؤولين كباراً: (رؤساء حكومات سابقين “أولمرت وقبله باراك” ـ رؤساء أجهزة أمنية مشهورين في الكيان الصهيوني “رئيس الموساد ورئيس الاستخبارات العسكرية وغيرهما”)، فضلاً عن الانتقادات الشعبية التي نزداد حدة يوماً بعد يوم، وهي بالمجمل انتقادات موضوعية، وكل معطيات الواقع تؤكد أن العربدة الإسرائيلية الأخيرة باستهداف سفينة إيرانية في البحر الأحمر قد أدى إلى نتائج عكس ما كان يتمناه نتنياهو وفريق عمله، وأن الرعب اليوم ينتقل بالعدوى من المؤسسات إلى الأشخاص، كما ينتقل إلى شرائح المستوطنين في الداخل الصهيوني من المسؤولين الكبار الذين قد يكون لبعضهم نوايا ذاتية وأغراض شخصية لتغييب النتنياهو عن الساحة لتؤول السلطة إلى فريق آخر، والمتابع لوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في الكيان الصهيوني يلمس بوضوح مدى الرعب المتراكم والمتعاظم في نفوس الجميع جراء حماقة نتنياهو، وحزم الرد الإيراني الصاعق والممنهج، وهنا يمكن التوقف عند عدة نقاط مهمة، ومنها:
1- استهداف الباخرة الإيرانية عدوان صارخ متناقض مع كل ما له علاقة بالقانون الدولي، والجاهل بألف باء السياسة يدرك أن من حق إيران الرد على العدوان بمثله على الأقل.
2- تزامن العمل الإرهابي التخريبي الذي استهدف مفاعل” نطنز” النووي مع تبجح نتنياهو شخصياً ورئيس أركان الحرب في الكيان”كوخافي” ب: (عمليات سرية ينفذونها في منطقة الشرق الأوسط، وتتميز بالسرية التامة، وبعيداً عن أعين الأعداء) يشير إلى أنهم وراء ما تعرضت له المفاعلات النووية الإيرانية من إرهاب نووي حقيقي لا تستطيع طهران التزام الصمت تجاهه.
3- مع بداية ارتفاع حدة الخطاب الإيراني المتضمن حتمية الرد بدأت الأصوات المنتقدة لحماقة نتنياهو من داخل الكيان الإسرائيلي بالارتفاع، وقد وصلت مرحلة إعلان أن وزير الحرب الإسرائيلي” بيني غانتس” طلب من مستشار الحكومة القضائي فتح تحقيق بشأن استهداف منشأة “نطنز”الإيرانية، وهذا يعني أول ما يعنيه محاولة استباق أي موقف إيراني بالتنصل من المسؤولية، وفي الوقت ذاته هذا يشير إلى مدى الرعب الحقيقي الذي يسيطر على المسؤولين الإسرائيليين من الرد الإيراني الأكيد والحتمي، وبخاصة في ظل الاستناد إلى قياس رد فعل إيران الأخير باستهداف سفينة إسرائيلية مقابل الشواطئ الإماراتية رداً على استهداف السفينة الإيرانية في البحر الأحمر، وبالقياس فإن الرد الإيراني قد يكون باتجاه مفاعل “ديمونة” النووي، وليتصور أي إسرائيلي مدى تداعيات ذلك إن قامت طهران بالرد هناك.
4- إذا كانت أهم أهداف الإرهاب النووي المنفذ في ” نطنز” هو عرقلة التقدم في برنامج التخصيب النووي الإيراني فالنتيجة كانت مزلزلة:
ـ رفع نسبة التخصيب من 20% إلى 60% دفعة واحدة.
ـ إدخال ألف جهاز طرد مركزي بطاقة إنتاجية أعلى إلى دورة التخصيب.
ـ منح الفريق الإيراني المسؤول عن التفاوض في فيينا مع مجموعة (4 + 1) المزيد من أوراق القوة الإضافية، وسحب أية أوراق قوة لدى القلقين على أمن الكيان الصهيوني، والتصريحات الإيرانية الرسمية تؤكد صحة ذلك.
ـ إصلاح الأعطال في زمن قياسي، وعدم توقف عملية التخصيب التي تبجح الصهاينة بأنها ستتوقف لأشهر عدة” تسعة أشهر” وقد حولت الإرادة الإيرانية الأشهر التسعة إلى ساعات معدودة فقط، وهذا قمة اليقين والوفاء للوطن، كما أنه ذروة التحدي والثقة بالنفس وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص ومنع تحولها إلى تهديدات.
5- الرد لم يقتصر على ما ذكر، بل تناقلت وسائل الإعلام أن مجموعة مجهولة الهوية قامت باستهداف مركز معلومات وعمليات خاصة تابع للموساد في شمال العراق، والسؤال البديهي والموضوعي والمشروع الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي يفعله مركز يتبع للموساد في شمال العراق؟ وكم من مركز غيره يتبع للموساد ولأجهزة استخبارات معادية أخرى يعمل هناك؟.
6- ارتفاع حدة الأصوات الأطلسية والأعرابية، والتعبير المشترك بالإعراب عن القلق الكبير في فرنسا وبريطانيا وأمريكا وتل أبيب والسعودية يذكرنا برئيس المنظمة الدولية السابق” بان كيمون” وتكرار إعرابه عن قلقه، ولعل الوسيلة الأنجع لتخفيف القلق الكبير المشترك عند تلك العواصم القلقة مراجعة بان كيمون فقد يكون ما يزال يحتفظ ببعض الكبسولات المصنعة خصيصاً للتخفيف من القلق، والوسيلة الأخرى الناجعة أيضاً تكون باتخاذ خطوة أوسع إلى الأمام من قبل محور المقاومة مجتمعاً، وفي الاستراتيجيا لا يمكن حذف أي سيناريو مهما كانت نسبة حدوثه ضئيلة.
خاتمة:
الرد الإيراني وفق توجيهات سماحة القائد الخامنئي حفظه الله أثلج صدور الملايين من عشاق المقاومة بالدرجة الأولى، وممن ضاقوا ذرعا باستمرار العربدات الصهيو ـ أمريكية، ولا شك أن الإعلان رسمياً عن سحب جميع القوات الأمريكية وحلفائها من أفغانستان مطلع الشهر القادم، يعني أن إمكانية خروج الأمريكي من كامل المنطقة هو العنوان الأبرز الذي يجب الاشتغال عليه، وهذا الانكفاء الأمريكي يشكل اللحظة التاريخية الأنسب للروسي كي يتقدم أكثر في المنطقة، فهل يقدم الروسي والصيني على الاستثمار في لحظة الانكفاء والانحسار الأمريكي قبل أن تعمل مفاصل صنع القرار في الدولة العميقة على إعادة توزيع المهام وتكامل الأدوار؟.
من حق أنصار الكرامة والسيادة أن يتمنوا ذلك، والأمنيات وإن كانت لا تكفي، لكنها تبقى المؤشر القابل للبناء عليه في ظل مفرزات الحرب المفروضة على المنطقة، وصمود سورية لعشر سنوات ونيف، وكذلك الأمر فيما يتعلق باليمن الأسطورة الأكبر في العصر الحديث، وهذه جميعها قرائن دالة على أن الغد أفضل، وأن محور المقاومة في تجذر وتمدد نوعي أفقياً وعموديا، وسيرغم من يبتلعون مرارة انحسار الدور وتآكله على الاعتراف العلني والصريح بالهزيمة …. وإن غداً لناظره قريب.

د. حسن أحمد حسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى