مقالات وتقارير

“القدس أقرب” في الجغرافيا والسياسة

بقلم / محمد فرج*

الجغرافيا السياسية الجديدة، الأقرب إلى القدس، تكثفت خلال أقل من ساعتين في المنبر الموحد على شاشة “الميادين”

ظنّ ضعفاء الإيمان والنفوس والعزيمة أنَّ القدس باتت أبعد مع إعلان ترامب نقل السفارة الأميركية إليها، وبعد إعلان بنود “صفقة القرن” واتفاق الأسرلة الذي بادرت إليه دول الخليج. اليوم، وفي مناخات يوم القدس العالمي، صوت المقاومة يصدح عالياً: “إنها أقرب”، دقّقوا أكثر في الجغرافيا والسياسة! 

أقرب في الجغرافيا

لم تقدّم اتفاقيات الأسرلة بعداً جغرافياً إضافياً للاحتلال، باستثناء أوهام تهديد أمن الخليج استخباراتياً وعسكرياً، وأوهام تهديد إيران عبر البوابة الخليجية، الأمر الذي عجزت عنه الولايات المتحدة نفسها، منذ أن سهلت لها دول الخليج الطريق أيضاً، ابتداءً من حرب الخليج الثانية.

قلق “إسرائيل” من الديموغرافيا، يرافقه دائماً قلق من الجغرافيا. لذلك، أمّنت “حدودها” الأطول باتفاقية “وادي عربة”، وسارعت إلى تأمين نافذة البحر الأحمر باتفاقية “كامب ديفيد”، وما زالت ملاحتها البحرية مستمرة – ومن دون اتفاق موقّع مع السعودية – في مضيق تيران، ولا ندري إن كانت ثمة آلية تنقل بنود الاتفاقيات بين الدول، هكذا بسلاسة، وكأن “كامب ديفيد” أصبح أيضاً سعودياً، وبشكل ضمني، لكن نافذة البحر الأحمر هذه، حتى مع “كامب ديفيد” وتيران، ومعها مشروع “نيوم”، ليست آمنة بعد بما يكفي. إن فرقة مشاكسة وعنيدة واحدة، عندما تكون صادقة ومؤمنة، تكفي. هذا هو حال اليمن، الذي خرج، بعد تعرضه لعدوان مجرم، أقرب إلى القدس من جهة البحر.

عندما بدأت الحرب على سوريا، كانت غالبية قوات الجيش السوري مرابطة في الجولان. أما باقي المناطق غير المتاخمة للعدو، فقد كانت تركز على عملها كنقاط مراقبة وضبط. كانت “إسرائيل” تشعر بنشوة الفرح مع بداية الحرب: “الآن، ستخف أحمالهم هنا، فلديهم الكثير من العمل في أماكن أخرى”. كان ذهن الدولة السورية مشغولاً بجغرافيا واسعة تتعرّض لحرب عبثية… ولكن في نهاية الأمر، كانت النتيجة هي نمو محور واتجاه فيزيائياً على الأرض، وتكريس جغرافيا التهديد السورية بتجربة جديدة وخبرة كاملة.

عندما بدأت حرب تموز، كانت “إسرائيل”، بحسب دراساتها الأكاديمية والأمنية المنشورة، قد خطّت 5 أهداف لحربها، آخرها إنقاذ الجنديين. أما أولها، فهو التخلص من رعب جغرافيا الشمال فوق رأسها، بما فيها من ترسانات الصواريخ وترسانات الإرادة على حد سواء. بعد 15 عاماً، بات المحتل يشعر بثقل هذه الجغرافيا على صدره، فالأمور تغيرت، ولكن إلى الأسوأ بالنسبة إليه.

بعد احتلال العراق، كانت “إسرائيل” تنظر إلى هذا البلد ككتلة حاجبة مُطَمْئِنة. أكثر من 100 ألف جندي أميركي كانوا يمنعون الالتحام بين طهران ودمشق وبيروت. لقد رأى الصهيوني في كل ذلك “البيئة الإقليمية الآمنة والمناسبة لحرب”. وقعت الحرب في العام 2006م وفشلت، وانسحب الأميركي بما يكفي لتفكيك الكتلة الحاجبة. وبعد عقد من الزمن، حاول استبدال كتلة حاجبة أخرى بها، تتمثل في “داعش”، ولكنه فشل أيضاً. واليوم، صوت جغرافيا العراق أكثر من مقلق للاحتلال.

طهران الثابتة والمساندة لظهر الخريطة، وجغرافيا غزة التي عبرت بطريقتها عن حماية القدس، وصمود أهالي الشيخ جراح… كل ذلك يرسم مشهد المنطقة الجديد، ويرسم التموضع الجديد لكلّ طرف في معادلة الصراع. 

الجغرافيا لا تتغيّر في مواقع الأراضي والبلدان والعواصم، ولكن المقاومة التي تنجح، تضعنا أمام جغرافيا سياسية جديدة، بشروط جديدة، وظروف جديدة، وهذا الذي حصل.

أقرب في السياسة

يرى علماء السياسة أن منطق الحروب اختلف كثيراً عن أنماط الحروب التي عهدناها في الحربين العالميتين الكبيرتين الأولى والثانية، وحتى في الحرب الباردة. واحدة من هذه الاختلافات هي طريقة الإعلان عن نهاية الحرب وتحديد الرابح والخاسر. كان العالم يشهد إعلاناً صريحاً لهذه النهاية: معاهدة “فرساي” في الحرب العالمية الأولى، ومؤتمر “بوتسدام” في الحرب العالمية الثانية، وتفكيك الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة. 

بعد 10 أعوام من الحرب على سوريا، وأكثر من 6 أعوام من الحرب على اليمن، وأعوام من فرض العقوبات على إيران، وصلنا إلى نتيجة ما يمكن قراءتها في محادثات فيينا وسيرها على إيقاع الدبلوماسية الإيرانية وأهدافها، وفي محاولات التهدئة السعودية التي تأتي في سياق انتصار اليمن، وفي حالة الهلع الإسرائيلية على إيقاع انتصار سوريا و”حزب الله” وفصائل المقاومة الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني في كل مواقعه، وفي الحسابات الأميركية المتجدّدة في التعامل مع الملف العراقي الذي يمتلك اليوم قوة مقاومة منظّمة وجادة.

هذه المؤشرات السياسية تجعل القدس أقرب. الجغرافيا السياسية الجديدة، الأقرب إلى القدس، تكثفت خلال أقل من ساعتين في المنبر الموحد على شاشة “الميادين”. هنية: “الشعب الفلسطيني… يدافع نيابة عن الأمة في أشرف الخنادق”. عبد الملك الحوثي: “الشعب اليمني حاضر في المعركة”. نخالة: “ثمة محور يكبر ويتسع لتعديل موازين القوى التي كانت لصالح العدو بشكل كامل”. الشيخ الصميدعي: “العراقي… ينتفض عندما يسمع “فلسطين”، في استحضار لبطولات الجيش العراقي في حرب حزيران”. أبو أحمد فؤاد: “الكفاح المسلح على رأس أدوات المقاومة”. الشيخ عيسى قاسم: “القدس اليوم أقرب من كل ماضي الصراع حولها، للتحرر الكامل من قبضة الصهيونية”. المطران عطا الله حنا: “لا تتركوا مدينة القدس لوحدها تقارع جلاديها”. الخزعلي: “نمتلك نَفَس المطاولة وقدرة الاستنزاف”. الشيخ عكرمة صبري: “إن هبة باب العمود أكدت أن الأطفال لم ينسوا؛ إنهم الجيل الثالث الذي تصدى للاحتلال”. سماحة السيد نصر الله: “أنتم تعرفون أن هذا الكيان ليس له مستقبل، وأنه إلى زوال”. كل ذلك جاء مترافقاً مع تصريح اللواء باقري: “المقاومة جاهزة لسحب البساط من تحت المحتلين”.

مشهد الاقتراب من القدس اليوم ليس مشهداً شعاراتياً أو شعبوياً خطابياً، إن جاز التعبير. يمكن القول إن هذا المحور كرَس مفهوماً جديداً في عالم المواجهة مع الإسرائيلي والأميركي، ينطلق أساساً من عنوان “تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة”. أن تكون متشائم الفكر يعني أن تستعد لأسوأ الظروف والإجراءات الأميركيّة والإسرائيليّة، وهذا حقّاً ما كان، من الحرب على سوريا، إلى “صفقة القرن”، إلى الجنون الإسرائيلي في تهجير أهالي الشيخ جراح. أمّا تفاؤل الإرادة، فهو ما وضعنا الآن، وهنا، في مكان جديد؛ جديد بحقّ!

*الميادين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى