مقالات وتقارير

يوم القدس العالمي.. انتصار لمظلومية شعب وتاريخ أمة

بقلم/ عادل الجبوري*

   كانت القدس، وما زالت، تمثل برمزيتها الدينية والتاريخية والمعنوية العنوان الأبرز والأهم في القضية الفلسطينية، لأنها على مدى أكثر من سبعة عقود من الزمن، أي منذ تأسيس الكيان الصهيوني الغاصب بدعم ومباركة القوى الدولية الكبرى، تعرضت لشتى صنوف الانتهاكات والاعتداءات والتجاوزات التي أريد من ورائها طمس هوية تلك المدينة، وإلصاق هوية أخرى بها مشوهة وزائفة، تعكس حقيقة الواقع الذي راحت تعمل على تكريسه عصابات العقيدة الصهيونية المنحرفة بمختلف الأساليب والوسائل والأدوات القمعية ضد الشعب الفلسطيني المسلم، مستفيدة من تشجيع واسناد سياسي وعسكري وإعلامي غير  محدود من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول غربية اخرى، مضافًا اليه صمت وخنوع وانهزام من قبل أنظمة وحكومات دول عربية واسلامية عديدة.

    ولا شك أنه لم يكن مقبولًا ولا معقولًا أن تتعرض قبلة المسلمين الأولى لسلسلة متواصلة من الانتهاكات والتجاوزات والاعتداءات دون أن يكون هناك رد فعل، أو أن رد الفعل لم يكن بمستوى الحدث، ولعل هذا ما استشعره مفجر الثورة الاسلامية في ايران اية الله العظمى الإمام الخميني(قدس) منذ وقت مبكر، حتى أنه أفرد حيزًا كبيرًا للقضية الفلسطينية في مجمل أطروحاته السياسية والفكرية وأوضح أهمية ومكانة القدس في نفوس ومشاعر المسلمين على اختلاف طوائفهم وقومياتهم ومشاربهم، ليتجلى ذلك الاهتمام عمليًا وبأوضح صورة في السابع من شهر اب-اغسطس من عام 1979 بإعلانه تحديد آخر جمعة من شهر رمضان من كل عام يومًا عالميًا للقدس، وكان ذلك بعد انتصار الثورة الاسلامية بستة شهور، حيث كانت التحديات والمخاطر المحدقة بها من الداخل والخارج كبيرة وكثيرة جدًا.

   ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، باتت الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك معلمًا واسعًا وعريضًا لإبراز كل أشكال ومظاهر الانتصار لفلسطين والقدس الشريف.  

   ولا شك أن يوم القدس العالمي ينطوي على دلالات وأبعاد ومعان كبرى، من حيث مغزى الاختيار والتوقيت، وكذلك ارتباطًا بصاحب الفكرة والمبادرة.. ولم يكن اختيار الإمام الخميني للجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام يومًا لنصرة ومساندة الشعب الفلسطيني في جهاده ونضاله ضد الكيان الصهيوني الغاصب، أمرًا عفويًا حكمته انفعالات لحظية أو عواطف وجدانية عابرة.

   فالانتصار التاريخي الكبير للثورة الإسلامية في ايران على واحد من أعتى الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية في المنطقة والعالم، كان ايذانا ببزوغ عهد جديد يختلف بالكامل عن العهد السابق له، رغم كثرة المؤامرات وفداحة المخاطر والتحديات.

   ولعل الشعب الفلسطيني الذي ذاق شتى صنوف المآسي والويلات على يد الكيان الصهيوني الغاصب والقوى الدولية والاقليمية التي لم تكن حقوق الانسان بالنسبة لها سوى شعارات وادعاءات تستغلها لفرض أجنداتها وتمرير مصالحها، لعل ذلك الشعب المظلوم استشعر منذ وقت مبكر ما يمكن أن تحدثه الثورة الاسلامية من أثر كبير في مسيرة نضاله المشروع من أجل استعادة أرضه وقدسه وعزته وكرامته، وبدلًا من أن يكون النظام الحاكم في ايران حليفًا استراتيجيًا للكيان الصهيوني، فإنه أصبح بعد انتصار الثورة يمثل خط المواجهة والدفاع الأول، ولأن القضية الفلسطينية لا تعني العرب فحسب، بل تعني المسلمين على وجه العموم، والانسانية قاطبة، فإن الإمام الخميني أراد أن تكون رسالة الدعم والاسناد والنصرة متواصلة لا انقطاع فيها ما دام الاحتلال قائمًا ومعه كل مظاهر الظلم والقمع والحيف والاستبداد ومصادرة الحقوق.

   واليوم، بعد اثنين وأربعين عامًا من مبادرة يوم القدس العالمي تبلورت حقائق ومعطيات كثيرة وكبيرة على أرض الواقع، من بينها، فشل كل مشاريع ومخططات التطبيع مع الكيان الصهيوني، بدءًا من اتفاقيات كامب ديفيد المذلة بين النظام المصري والكيان الصهيوني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، مرورًا باتفاقيات أوسلو ومدريد ووادي عربة وواي بلانتيشن وغيرها، وانتهاءً باتفاقيات التطبيع الأخيرة مع الأنظمة الحاكمة في الإمارات والبحرين والمغرب.

  وفي مقابل فشل مشاريع ومخططات التطبيع، فإن إرادة الشعب الفلسطيني وقوته، ومعه الكثير من الشعوب العربية والإسلامية الأخرى أخذت مديات أوسع بكثير، ووعيها تطور الى حد بعيد، وما ظهور محور المقاومة وتحوله الى رقم صعب ومؤثر في معادلات السياسة والميدان الا دليل شاخص على حقيقة ارادة ووعي الشعوب، وادراكها لما يراد لها وما يراد منها.  

   وفي يوم القدس العالمي، حينما يخرج عشرات الملايين من الناس، بتوجهاتهم وانتماءاتهم ومشاربهم المختلفة، ليعبروا عن رفضهم للاحتلال وما ترتب ويترتب عليه من ظلم وطغيان وسلب للحقوق، ويعبروا عن دعمهم ونصرتهم لفلسطين والقدس، فإن ذلك يعني الشيء الكثير، وحينما تضج شوارع العواصم والمدن المختلفة، ووسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، ومنصات الفضاء الالكتروني، بشتى مظاهر وصور واشكال الرفض للكيان الصهيوني والتعاطف مع فلسطين، فهذا يؤشر – بل يؤكد – أن القراءة المبكرة للإمام الخميني، كانت قراءة واعية وعميقة ودقيقة، وأن من اختاروا السير في طريق التنازل والخضوع والركون، كانت حساباتهم خاطئة، وأهدافهم ضيقة، وأوراقهم خاسرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى