محاضرات ودروس إسلامية

بضع نقاط بشأن وحدة المسلمين

قبل أن أقول بضع كلمات بشأن وحدة المسلمين، أرى من اللازم أن أستذكر بعض الشخصيات البارزة والمثابرة في مجال الاتحاد الإسلامي. من جملتهم المرحوم الشيخ التسخيري(4) (رض) الذي كان من أكثر العناصر مثابرة في هذا المجال. لقد سعى لسنوات مديدة، وحتى عندما كان مريضاً، كان سعيه متواصلاً. وقبله المرحوم الشيخ محمد واعظ زاده(5) (رض) العالم الجليل، وهو فاضل ومتقن للعلوم الإسلامية، وقد سعى أيضاً في هذا المجال سنوات عدة. هؤلاء من إيران. ومن سوريا الشهيد العظيم الشيخ محمد رمضان البوطي، وهو شهيد عظيم الشأن، وقد سعى كثيراً. لقد كان المرحوم الشيخ محمد رمضان البوطي (رض) أحد العلماء الكبار التقريبيين في العالم الإسلامي. الشهيد السيد محمد باقر الحكيم كان أيضاً من العناصر التقريبيين المهمين. فقد كان هذا الشهيد العظيم المرحوم السيد محمد باقر الحكيم أحد الأشخاص الذين شجّعوني وحرّضوني على إيجاد مجمع التقريب بین [المذاهب] الإسلامية. وفي لبنان أيضاً، كان المرحوم الشيخ أحمد الزين، الذي رحل عن الدنيا أخيراً، من العلماء التقريبيين. كان من المقربين لنا ومن أصدقائنا. وقبله المرحوم الشيخ سعيد شعبان من لبنان، الذي كان أيضاً من أصدقائنا الجيّدين. رحمة الله عليه. لقد كان من المؤمنين باتحاد المسلمين بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومن المؤمنين بالتقريب بين المسلمين.

آمل، إن شاء الله، أن يجعل الله المتعالي موضع رحمته ولطفه الأرواحَ الطيبة لكل الأشخاص الذين ذكرناهم والذين لم نذكرهم. كانوا قبل هؤلاء كثيرين أيضاً، من العراق وإيران ومصر وأماكن أخرى. هناك كثيرون ممن سعوا في هذا المجال، ولم أنوِ – ولا يمكنني – ذكر أسمائهم كلهم.

أتحدث ببضع نقاط عن وحدة المسلمين.

النقطة الأولى هي أن اتّحاد المسلمين فريضة قرآنيّة حتميّة. فهذا الأمر ليس تابعاً للرغبة، [بل] علينا أن ننظر إليه بصفته واجباً. القرآن الكريم قد أمرَ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} (آل عمران، 103). أي حتى الاعتصام بحبل الله علينا فعله بالاجتماع، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}. حسناً هذا أمرٌ. لماذا نجعل منه قضية أخلاقية؟ هذا أمرٌ وحُكم ويجب العمل به مثل آيات أخرى في القرآن [مثل:] {ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال، 46). هذه ملاحظة وهي أن [وحدة المسلمين] فريضة.

النقطة الثانية: وحدة المسلمين واتّحادهم ليسا أمراً تكتيكيّاً ليكون هناك من يتصوّر أن علينا أن نكون متّحدين معاً بسبب ظروف معينة. لا! إنهما أمرٌ أصوليّ. تآزر المسلمين أمرٌ ضروري. إذا اتحد المسلمون، فإنهم يتآزرون ويصيرون جميعاً أقوياء، وحتى أولئك الذين يرغبون – لا مانع في ذلك – في بناء علاقة مع غير المسلمين يفعلون هذا بِيَد ممتلئة عندما يوجد هذا التآزر. لذلك هذه الملاحظة التالية وهي أن [وحدة المسلمين] أمرٌ أصولي وليست تكتيكاً.

النقطة الثالثة هي أن السبب في تشديدنا – الجمهورية الإسلامية – على وحدة المسلمين هو أن المسافة [بينهم] كبيرة. اليوم هناك جهد مستمر لإيجاد خلافات بين فِرق المسلمين، بين الشيعة والسنة، وهو جهد جاد ومخطط له. التفتوا! اليوم دخلت كلمتا شيعي وسني إلى الأدب السياسي الأمريكي! ما علاقة الأمريكيين بالشيعة والسنة؟ منذ سنوات ظهرت مسألة كون المرء سنّياً وشيعياً في الأدب السياسي الأمريكي. نعم، بعض الدول شيعية وبعضها سنية، ورغم أن [الأمريكيين] ضد مبدأ الإسلام ومعادون له، فإنهم لا يتركون مسألة الشيعة والسنة. إذن، هذه الأشياء موجودة. إنهم يؤججون الخلافات يوماً بعد يوم، ويزيدون من سوء التفاهم، ولذلك نعمد إلى التأكيد، وهذا هو السبب في تركيزنا. وكما تلاحظون، الذين تعلّموا على يد أمريكا يعمدون إلى إثارة الفتنة أينما استطاعوا في العالم الإسلامي. وأقرب مثال على ذلك الأحداث المأسوية التي وقعت في أفغانستان خلال يومي الجمعة الماضيين، حيث فجّروا مسجداً للناس والمسلمين أثناء أداء الصلاة(6). من الذي يُفجِّر؟ «داعش»! من هي «داعش»؟ «داعش» تلك الجماعة نفسها التي قال الأمريكيون – الحزب الديمقراطي الأمريكي [الموجود حالياً في السلطة] – صراحةً إنهم صنعوها. طبعاً الآن لا يقولون ذلك بل ينكرون، لكنها نشأت من عندهم، ولقد بيّنوا ذلك بصراحة. لذلك من الضروري متابعة هذه القضيّة.

النقطة الرابعة هي ألا نتخيل أننا بهذا [العمل]، أي نجلس كل عام في أسبوع الوحدة ونلقي محاضرات ونتحدث، أو نجلس جلسة واحدة وجلستين أخريين في هذا الطرف من العالم وذاك ونتحدث، نكون قد أدينا واجبنا. لا! لا تنتهي المسؤوليّة مع القيام بهذه الأمور؛ من الضّروري أن يكون كلّ شخص، في أيّ نقطة، وفي أيّ مكانٍ حضر محوراً لموضوع الاتّحاد المهمّ. فلنناقش ونبيّن ونحثّ ونخطط ونقسّم العمل في هذه المجالات. إنه أمر ضروري لفعله. الآن، على سبيل المثال، في حالة أفغانستان التي ذكرتها، عندما نقول التخطيط، تكون إحدى الطرق لمنع هذه الحوادث أن يشارك المسؤولون الأفغان الحاليون المحترمون في مراكز هذه المساجد بأنفسهم ويحضروا الصلاة، أو أن يشجعوا الإخوة من أهل السنة على الحضور في هذه المراكز. عندما نقول أنْ يخططوا، يمكن على سبيل المثال أداء مثل هذه الأعمال في العالم الإسلامي.

النقطة التالية هي أن أحد أهداف الجمهورية الإسلامية التي حددناها بناء حضارة إسلامية جديدة. فأحد أهداف الجمهورية الإسلامية وأهداف الثورة الإسلامية بناء حضارة إسلامية جديدة، الحضارة الإسلامية بالنظر إلى قدرات اليوم وحقائقه ووقائعه. إن ذلك غير ممكن إلا بوحدة الشيعة والسنة، فلا يمكن لدولة واحدة أو طائفة واحدة فعل ذلك. لهذا على الجميع التعاون مع بعضهم بعضاً. هذه هي النقطة التالية. وهي ضرورة أخرى.

نقطة أخرى – النقطة السادسة – [هي] أن المؤشر الرئيسي على وحدة المسلمين قضيةُ فلسطين. قضية فلسطين هي المؤشر. إذا تحقق اتحاد المسلمين، فإن القضية الفلسطينية ستُحلُّ حتماً على أفضل وجه. وكلّما بذلنا جدية أكثر في قضية فلسطين من أجل إحياء حقوق الشعب الفلسطيني، اقتربنا أكثر من اتحاد المسلمين. إن قضية التطبيع الأخيرة – للأسف، أخطأت بعض الحكومات وارتكبت خطأ كبيراً وأذنبت وطبّعت مع الكيان الصهيوني الغاصب والظالم – هي حركة مناهضة للوحدة الإسلامية والاتحاد الإسلامي. عليهم أن يعودوا عن هذا المسار وأن يعوّضوا عن هذا الخطأ الكبير. حسناً، هذه مسألة الاتحاد. لذلك، ما أردنا قوله في ما يخص أبعاد المجتمع الإسلامي والعالم الإسلامي هما النقطتان اللتان عرضناهما.

*موقع KHAMENEI.IR

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى