مقالات وتقارير

حزب الله ومفهوم الدولة

بقلم/ محمد أ. الحسيني *   

تتعدّد التعريفات القانونية والدستورية للدولة، إلا أنها تجمع بغالبيتها على أنها كيان ذو أركان ثلاثة هي: الشعب والإقليم والسلطة، ويعمل في ظلّ حكومة منظّمة تقوم بتطبيق القوانين ورعاية شؤون الناس وقضاياهم بمساواة وعدالة، ومهمّتها الحفاظ على مصالح الدولة وتوفير الأمن وحماية حدودها وسيادتها. إلا أن هناك مفارقة جوهرية في اختلاف التعريف الغربي للدولة عن التعريف العربي، فالمصطلح العربي للدولة هو في الأساس فارسي الأصل، مشتقّ من فعل “دال” بما يعني التداول وعدم الثبات والتغيّر والتحوّل من حال إلى حال، أما في المصطلح الغربي state فيعني الكيان السياسي الذي بلغ مرحلة من الثبات والاستقرار.

والاستغراق في التعريف الغربي للدولة يقودنا إلى تلمّس المعنى المقصود في الاستقرار والثبات، فالدولة بحسب تعريف وودرو ويلسون هي “مجموعة أفراد أو شعب يخضع للقانون على إقليم معين”، ويضيف فرنسوا هولاند أنه لا بد لهؤلاء الأفراد من أن “يخضعوا لسلطان الأغلبية أو لسلطان طائفة منهم”. أما أليكس سالموند فيرى أن وظيفة هذه المجموعة “إقامة السلم والعدل عن طريق القوة”. في المقابل يفسّر الفقه الدستوري العربي الدولة بأنها “جماعة كبيرة من الناس تقطن على وجه الاستقرار أرضاً معينة، وتخضع لحكومة منظّمة تتولى المحافظة على كيان تلك الجماعة وتدير شؤونها ومصالحها العامة”.

يوضح الاختلاف في التعريف تركيز المفهوم الغربي على ثلاثة أسس هي: القانون والسلطة والقوة. وهذه الأسس تكفل الثبات والاستقرار في شكل الحكم والنظام في أي دولة، وهي أسس تشكّل بالفعل قواعد حاكمة لاستقلال الدول وسيادتها، ولكنّها في الموروث الاستعماري، وفق المفهوم الأوروبي تاريخياً والغربي بشكل عام، تحوّلت إلى أدوات احتلالية في ظل مبرّرات تتعلّق بضرورة التوسّع والهيمنة بذريعة تأمين الحماية من الأخطار الخارجية، و”استصلاح” الدول المتخلّفة والاستفادة من موارد الكيانات النامية لصالح الدول الكبرى.

إذاً هي السلطة والقوة التي تمكّن الدولة من تطبيق القانون على جماعة بشرية تعيش في إقليم ما، وتكفل رعايتهم وتدير شؤونهم باعتبارهم رعايا هذه الدولة، وهذا يقودنا إلى السؤال عن مفهوم سيادة الدولة بما تعني من كيان مستقلّ غير خاضع لسلطة دولة أخرى في الحكم والجغرافيا والمصالح؛ فالسيادة في العلم السياسي سمة جوهرية للدولة، وتظهر في شكل الاكتفاء الذاتي الكامل بحدود معينة؛ أي سيادتها في مجال السياسة المحلية واستقلال السياسة الخارجية. وهنا تكمن المشكلة.

يدوّن التاريخ أن مندوب الاحتلال الفرنسي الجنرال هنري غورو أعلن عام 1920 ما يسمّى “دولة لبنان الكبير”، ثم جرى إعلان الجمهورية اللبنانية عام 1926، كترجمة جيوسياسية لاتفاقية (فرانسوا) سايكس – (مارك) بيكو عام 1916، وقضت باقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا بعد انهيار الحكم العثماني عقب الحرب العالمية الأولى. ولم يكن هذا الإعلان استقلالاً فعلياً بل كان مقدّمة لحكم انتدابي، بمعنى فرض وصاية سياسية ومالية وقانونية على لبنان استمرت حتى العام 1943، بذريعة المساعدة في إنشاء مؤسسات الدولة اللبنانية، حتى أن العلم جاء مستقىً من علم فرنسا، ودستورها معدّلا عن الدستور الفرنسي، حتى أن الإحصاء السكّاني الذي أجرته سلطات الاحتلال الفرنسي عام 1932 لا يزال معتمداً بشكل رسمي دون إجراء أي إحصاء جديد.

لم يخرج لبنان من حكم الاحتلال والوصاية الخارجية حتى اليوم، على الرغم من إقرار “وثيقة الوفاق الوطني” في الطائف عام 1989 عقب الحرب الأهلية، ولا يزال قراره السياسي ومؤسساته الرسمية وشؤونه الداخلية وبعض كياناته الحزبية والسياسية يخضع بشكل مباشر وغير مباشر للسلطة الخارجية، وهذا ما لا يتوافق مع مبدأ سيادة الدولة، ولا ينسجم مع عناصر الاستقرار وحكم القانون الذي ينادي به المفهوم الغربي في تعريف الدولة، فقد أُريدَ للبنان منذ عام 1920 أن يكون كياناً بنظام تابع غير مستقلّ، وساحة نفوذ أوروبي في المنطقة، ومدخلاً للتوسّع في منطقة الخليج، ومرفأ تجارياً على حوض البحر المتوسط، وباحة خلفية آمنة لـ”إسرائيل”، ولا يزال مصنّفاً في هذه الخانة حتى اليوم في المنظور الغربي.

كان مقدّراً أن يباشر لبنان عام 1943 بلعب دوره المرسوم بعد ربط مؤسساته مباشرة بالحكم الفرنسي، ولكنه اصطدم بالتطوّرات السياسية في المنطقة والحروب التي رافقت مساعي زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران ودورها في إعادة تزخيم العمل المقاوم، وهو فعل لم يتوقّف ضد الاحتلال منذ ما قبل تشكيل لبنان وخصوصاً في فلسطين وسوريا. وأخذت هذه التطوّرات مساراً تصاعدياً وصل إلى حد تحويل لبنان من ساحة نفوذ خارجي إلى ساحة مواجهة استطاعت طرد الاحتلال الإسرائيلي وفرضت معادلة ردع استراتيجي، ليس فقط لـ”إسرائيل” بل لكل محور الإرهاب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، ومن معها من أنظمة الاعتدال العربي المرتهن للعدو الصهيوني.

في سياق هذه المعادلة وتنامي قدرات المقاومة الإسلامية أصبح لبنان قلب محور المواجهة، وتحوّل موقعه الجيوسياسي من نقطة توسّع وهيمنة غربية على المنطقة إلى موقع تهديد للأهداف الخارجية التي تريد جعله ساحة نفوذ وسيطرة وباحة آمنة لـ “إسرائيل”، وقدّمت المقاومة نفسها، من خلال سلاحها الدقيق الكاسر للتوازن مع العدو، وإرساء معادلة توازن الرعب وتراكم انجازاتها العسكرية، كعامل قوة لصالح القرار السيادي في مقابل سياسات الإخضاع الأمريكية. وهذا هو مفهوم حزب الله للدولة القويّة ذات السيادة التي لا ترهن قرارها للخارج، وتفرض ندّيتها على مستوى العلاقات مع الدول الكبرى والصغرى، وتحمي ثرواتها في البحر والبر والجو لاستثمارها في رعاية شؤون أبنائها بالعدل والمساواة ودون تفرقة بين أفراد المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى