مقالات وتقارير

قراءة في تفكك تحالفات المنطقة وعناوين المرحلة الراهنة

بقلم/ إيهاب شوقي*

تتسارع التطورات إقليميًا ودوليًا باتجاه مناقض لما تم التخطيط له في العقد الأخير، وتحديدًا منذ انطلاق ما اصطلح عليه بـ “الربيع العربي”.

أولا: مستجدات الأحداث وتضارب تفسيراتها:


على المستوى الإقليمي، هناك تطورات لافتة تعكس انقلابًا على السياسات والتوجهات التي سيطرت على العقد الماضي، حيث نرى دولة مثل الإمارات تسارع إلى دمشق، وتمهد الطريق للقاءات مع تركيا وايران، مع شواهد لتناقضات في العلاقة مع مصر، وذلك في ذات التوقيت الذي تسارع فيه إلى التطبيع مع العدو الصهيوني.

كما نرى انسحابات سعودية من جبهات القتال مع المقاومة اليمنية واتساع للفجوة بين مرتزقة السعودية ومرتزقة الامارات في اليمن. وفي ذات التوقيت تقوم السعودية بالتصعيد مع لبنان وشن حملات دعائية على حزب الله، بينما يلتقي مسؤولو المخابرات السعودية مع نظرائهم السوريين في القاهرة وسط تسريبات متصاعدة بعودة سوريا للجامعة العربية.

ونشهد أيضًا زيادة مفرطة في تحركات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان البهلوانية، حيث يعمق من استفزازاته وانتهاكاته في العراق وسوريا، واستفزازاته للروس في اوكرانيا وارمينيا، بينما يسعى للتقارب مع ايران وانشاء مشروعات مشتركة معها ومع الامارات راعية الانقلاب عليه.

وتبرز أيضا التطورات المؤسفة في المغرب العربي ونذر التصعيد بين الجزائر والمغرب ودخول العدو الاسرائيلي على الخط وتعاونه مع المغرب، فيما تثور الجزائر على ميراث الاحتكار الفرنسي التقليدي للنفوذ في الاقتصاد وتعمق علاقتها مع روسيا بما يشي أنه استعادة للتعاون القديم مع الاتحاد السوفياتي.

أما ليبيا، فباتت على شفا انتخابات رئاسية تبدو “اسرائيل” في كواليسها مع طرفي الصراع على الرئاسة.

دوليًا، تبدو بريطانيا هي الحليف الوثيق والأول للولايات المتحدة على حساب فرنسا والاتحاد الأوروبي، وتبدو الثقة الأوروبية في أمريكا في أكثر حالاتها تراجعًا، كما ألقى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بظلاله على كافة حلفاء أمريكا، وهو ما قلص من اندفاعات الحلفاء في العداء والتصعيد مع روسيا والصين.

هنا تضاربت التفسيرات بأن أمريكا انسحبت وتركت الملعب للاعبيه يفعلون ما يحلو لهم بضوابط وأسقف معينة، بينما ذهبت تفسيرات أخرى إلى أن أمريكا تناور على رقعة الشطرنج وتستخدم خططًا أخرى وتبدل مواقع بيادقها، وذهبت تحليلات أخرى إلى أن الأمور أفلتت من أيدي الجميع وتجري بصورة عشوائية.

هذا القدر المتيقن من الشواهد هو دليل على تفكك تحالفات (الربيع العربي) ووضع ملف مخططه الرئيسي في سلة المهملات.

ثانيًا: طبيعة الصراع الدولي وفك طلاسم المتغيرات:

ربما تجدر الإشارة هنا إلى جوهر الصراع الدولي وما ينبثق عنه من جوهر للصراع الإقليمي والتذكير في عجالة مختصرة بالفكر الاستعماري ومنطلقاته الأوراسية والمنطلقة من نظرية قلب الارض لجون ماكندر، والتي تفترض أن السيطرة على أوراسيا (أوروبا وآسيا) تضمن السيطرة على العالم وأن قوس الأزمات الذي يضم منطقتنا وما يعرف بالشرق الأوسط وامتداداته في آسيا وإفريقيا هو ضامن للسيطرة الأوراسية، وأن أمريكا كي تسيطر على أوراسيا، يجب أن تتحالف مع غرب أوروبا ولا تترك مجالا لهم للتحالف مع الروس والصينيين، ويجب أن لا تترك المجال مفتوحا لنجاح تحالف روسي – صيني.

يجب التذكير بأنه لسوء الحظ الأمريكي، فإن الأوراسية هي عقيدة روسيا في نسخة بوتين وهو ما جعله يتفادى أخطاء الاتحاد السوفييتي وصدامه وتنافسه العقائدي مع الصين، فاتبعت كل من روسيا والصين نهجًا براغماتيًا بعيدًا عن الايديلوجية، وشكلا ما يشبه التحالف لمواجهة الاستهداف الأمريكي لكل منهما.

وبالتالي فإن التركيز الأمريكي الراهن بعد التراجع الامبراطوري، هو على القلب أكثر من الهوامش أو الأقواس، وأقصى طموحات واشنطن في هذه الأقواس هو عدم السماح بسيطرة تامة لخصومها عليها.

هنا يمكننا رصد الانسحاب الأمريكي لعدم القدرة على السيطرة وتوفير المتاح من القدرة لأولويات أخرى، مع الدفع نحو الفوضى لعدم السماح للخصوم بالسيطرة التامة أيضًا.

ثالثًا: نظرة استشرافية للمستقبل القريب وسيناريوهاته:

اتبعت أمريكا سياسة الإحتواء دوليًا مع الاتحاد السوفيتي، كما اتبعته إقليميًا. اعتمدت أولًا سياسة موازنة القوى مع العراق وايران الشاه، ثم الاحتواء المزدوج بعد قيام الثورة الإسلامية في ايران، وقد فشلت سياسة الاحتواء وسياسات الترهيب والترغيب وسياسات حافة الهاوية مع محور المقاومة، وهو ما أربك أمريكا وحلفاءها وانبرت مراكز الفكر وخبراء الاستراتيجية للبحث عن سياسات جديدة يبدو أنهم لم ينجحوا في إعدادها بعد.

هنا يمكننا القول إننا أمام عجز أمريكي عن اتباع سياسة من حاويات السياسات الأمريكية، وكذلك ابتداع سياسة من حاويات العقول الاستراتيجية، وبالتالي نحن في فترة يمكن وصفها بفترة المشاغلة وتثبيت وتجميد الوضع بحيث لا تسوء الأمور وتميل الكفة تجاه خصوم امريكا، وهذا العجز يستتبعه عجز كارثي للأدوات الإقليمية وارتباك نرى ظلاله في التضارب بين التصريحات والممارسات.

الكارثة الكبرى هي التي يعيشها العدو الصهيوني ومن ربطوا مصيرهم به وراهنوا على تحالفهم معه، فلن تحارب قوة متراجعة من أجله، ولن يستطيع الحرب بمفرده، وشبح زواله يقترب يوما بعد يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى