مقالات وتقارير

في ذكرى سليماني والمهندس.. الشهادة والسيادة في منهج القادة

بغداد ـ عادل الجبوري**

تمر على العراقيين هذه الايام عدة مناسبات تترابط مع بعضها البعض، ويجمعها قاسم مشترك واحد، هو (الشهادة والسيادة).. فمن الذكرى السنوية الثانية لجريمة القائم التي ارتكبتها القوات الاميركية ضد الحشد الشعبي في التاسع والعشرين من شهر كانون الاول/ديسمبر 2019، وتسببت باستشهاد واصابة عدد من مقاتلي الحشد، الى استهداف كل من نائب رئيس هيئة الحشد الشهيد ابو مهدي المهندس وضيف العراق قائد فيلق القدس الشهيد قاسم سليماني بضرربة جوية اميركية غادرة قرب مطار بغداد الدولي فجر الثالث من شهر كانون الاول/ يناير 2020، الى قرار مجلس النواب العراقي في الخامس من نفس الشهر، أي بعد يومين من جريمة الاغتيال، القاضي بإخراج القوات الاجنبية من ارض البلاد. دون القفز على الذكرى السنوية العاشرة لطرد واخراج قوات الاحتلال الاميركي في نهاية عام 2011، فضلا عن الاستحقاق الوطني الكبير المتمثل بانهاء التواجد الاجنبي بصورة كاملة  نهاية العام الماضي، وتحديدا في الحادي والثلاثين من شهر كانون الاول/ ديسمبر، أي قبل عدة أيام.

إن كل هذه الوقائع والأحداث تحمل بين طياتها معان ودلالات عميقة وبليغة، ربما يكون شعار (الشهادة والسيادة) الذي اطلقته الحشود الجماهيرية المليونية قبل عامين وترسخ أكثر فأكثر في النفوس والضمائر، العام الماضي وهذا العام، ربما يكون قد عكس تلك المعان والدلالات العميقة والبليغة.

ومن الطبيعي جدا أن تتصدر الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الشهيدين المهندس وسليماني صدارة المشهد العام في العراق وربما خارجه، ارتباطا بمكانة وموقع وتأثير الرجلين في مجمل الوقائع والمحطات، وارتباطا بملابسات عملية الاغتيال من حيث الزمان والمكان، والجهة أو الجهات المتورطة، ومن ثم التداعيات والانعكاسات التي خلفتها وأفرزتها عملية الاغتيال، ولعل شعار (الشهادة والسيادة)، جاء معبرا عن جوهر وماهية الحدث، الذي بدا بعد مرور عامين عليه وكأنه جديد ومتجدد، لأن ما عمل عليه كل من المهندس وسليماني، وانتهى بهما الى الشهادة بعد أن حققا النصر، تمحور حول هدف اساسي محوري، تمثل بالدفاع عن المقدسات ومواجهة العقائد المنحرفة، وتحقيق السيادة الوطنية.

وطيلة اسبوع كامل، شهدت مختلف مدن ومحافظات العراق احتفالات ومهرجانات وتجمعات جماهيرية حاشدة، تضمنت فعاليات ونشاطات متنوعة لاحياء واستذكار القادة الشهداء ومن عرج معهم وقبلهم وبعدهم الى الرفيق الاعلى، وللتعبير عن رفض كل مظاهر الوجود الاجنبي على أرض البلاد، وادانة واستنكار الجرائم التي ارتكبتها القوات الاميركية ضد الشعب العراقي عموما، والحشد الشعبي على وجه الخصوص، على مدى أعوام متعاقبة.

ومن دون شك، إن التجمع المليوني الغفير الذي احتضنته العاصمة العراقية بغداد في اليوم الاول من العام الجديد، رسم الصورة الحقيقية للموقف الوطني المبدئي لكل فئات وشرائح المجتمع العراقي، بعيدا عن أي مسميات او عناوين او تصنيفات خاصة، واطلق رسائل مهمة وبليغة وعميقة، مفادها ان دماء القادة الشهداء، كانت في واقع الامر انتصارا اضافيا اخر للانتصارات التي تحققت على العصابات التكفيرية الاجرامية، وافشالا واحباطا للمؤامرات الاميركية ـ الصهيونية، التي ارادت من وراء تصفية المهندس وسليماني اضعاف ارادة وقوة المقاومة، وانهاء الحشد الشعبي، بعدما فشلت الكثير من محاولاتها السابقة في هذا السياق، ناهيك عن انها اثبتت بلا أي لبس او غموض خطأ القراءات والتقديرات الاميركية بشكل فاضح ومخز.

في ذكرى سليماني والمهندس.. الشهادة والسيادة في منهج القادة

فجريمة اغتيال سليماني والمهندس، بدلا من ان تزيد من قوة وسطوة ونفوذ الولايات المتحدة الاميركية، فإنها اربكتها وخلطت حساباتها الى حد كبير، اذ ان العالم لم يعد اكثر امنا بعد الاغتيال، كما روج لذلك كبار الساسة في واشنطن وتل ابيب وعواصم اخرى بعضها عربية، بل ان التداعيات والانعكاسات السلبية على اميركا وحلفائها واتباعها وصدقائها اتت سريعة وصادمة، سواء من الناحية السياسية او من الناحية العسكرية، علما ان الرد عليها ـ اي على واشنطن ـ لم يكتمل حتى الان، وهو ربما سيكون مثلما اشارت المقاومة الوطنية العراقية، واشار القادة الايرانيون بإخراج الاميركان ليس من العراق فحسب وانما من عموم المنطقة.  

إلى جانب حدوث المزيد من التعقيد والتشابك في الملفات الاقليمية والدولية التي تعد الولايات المتحدة طرفا فيها، وارتفاع حدة الخلافات والتقاطعات مع شركائها الدوليين، وإلى جانب المزيد من الضعف والارتباك والاضطراب الذي اصاب ادواتها الاقليمية في مقابل تصاعد قوة وتماسك محور المقاومة، فأن الاوضاع الداخلية الاميركية انزلقت بفعل السياسات المتهورة والانفعالية للرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب الى منعطفات حرجة وحافات خطرة للغاية، لاسيما في ظل تنامي النزعات والمشاعر العنصرية والعرقية المتطرفة، التي وصلت الى حد المواجهات والصدامات المسلحة، بحيث بات موضوع إمكانية اندلاع حرب أهلية جديدة، الشغل الشاغل للكثير من المحافل والنخب والاوساط الفكرية والسياسية وكذلك الشارع الاميركي، واصبح ملايين الاميركان يعدون الأيام وأيديهم على قلوبهم بانتظار مغادرة ترامب للبيت الابيض بعد ثلاثة اسابيع دون أن يحدث كارثة كبيرة قبل ذلك. ومن المستبعد جدا ان لا تكون الولايات المتحدة قد ادركت بعد عامين، انها باغتيال المهندس وسليماني رسمت مسارا مختلفا تماما عن المسار الذي خططت له من وراء عملية الاغتيال، ومجمل معطيات وحقائق الواقع القائم، سواء في اطار اسبوع “الشهادة والسيادة” وما اطلقه من رسائل واشارات العام الماضي وهذا العام، تؤكد وتثبت وتؤشر الى ذلك المسار المختلف، بل والمعاكس تماما للمسار المطلوب.          

إن إنهاء التواجد الاجنبي ـ الاميركي ـ كان يشكل أحد أبرز أولويات القادة الشهداء، ولم يكن يقل أهمية عن الحاق الهزيمة بتنظيم “داعش” الوهابي الارهابي، وبقى يحظى بذات الاولوية بعد عملية الاغتيال الغادرة، ان لم يكن قد احتل اهمية اكبر. فالحشود الجماهيرية الغفيرة، في هذا العام  والعام الماضي، وفي مختلف المناسبات والمحاطات على امتداد عامين كاملين، قالت ان انهاء التواجد الاجنبي الذي كان الهدف المحوري للقادة الشهداء سيبقى يمثل الاولوية مهما حاولت واشنطن التهرب والمراوغة والخداع والتضليل، وان استعادة السيادة الوطنية الكاملة هي مطلب كل العراقيين الشرفاء والمخلصين والمضحين، وبالتالي فإن دماء الشهيدين المهندس وسليماني وكل الشهداء ستظل نبراسا ومنارا يعبد الطريق نحو تحقيق الاهداف الكبرى وترسيخ قيم العزة والكرامة والاباء والصمود، وافشال كل ما تخطط له وتريده وتسعى اليه واشنطن وتل ابيب وعواصم اخرى بعيدة وقريبة.

ومثلما أكد رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، وشخصيات اخرى من مختلف المكونات، في كلماتهم وخطبهم في التجمع الجماهيري المليوني قبل ايام قلائل، بأنه “يتوهم من يعتقد ان سليماني والمهندس سينتهون، ولن يقبل العراقيون بأقل من تحقيق السيادة الكاملة داخل العراق واخراج القوات الاجنبية بالكامل، وان الحشد الشعبي سيبقى قويا عزيزا ولن تتم المساومة عليه ابدا مهما كلف ذلك من تضحيات”.

ليس هناك أوضح  وأبلغ من هذه الرسائل، وهذه المواقف ذاتها التي عبدّت طريق الشهادة، وجعلته موازيا لطريق السيادة.

واليوم فان الجدل والسجال المحتدم حول العملية الانتخابية الاخيرة ومخرجاتها المشكوك في صحتها، ومن ثم تشكيل الحكومة وآليات ادارة الدولة في المرحلة المقبلة، لايمكن ان يتم بمعزل عن مجمل احداث ووقائع الامس واستحقاقات الغد، لان الابقاء على الظروف والعوامل التي انتجت المشاكل والازمات وخلفت الفوضى والاضطراب دون التغلب عليها وانهائها، يعني فيما يعنيه تكرار نفس الاخطاء والوقوع بذات المطبات. وان من يريد تصحيح المسارات الخاطئة ووضع حدا لمظاهر التداعي السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، عليه ان يعمل اولا وقبل كل شيء على انهاء التواجد الاجنبي بكل اشكاله وعناوينه ومسمياته ومظاهره, لانه بدون ذلك سيبقى الجميع يدورون بحلقة مفرغة، وهذا اسوأ الخيارات واخطرها على الجميع بلا استثناء، وهو ما يتقاطع تماما مع مفهوم وشعار الشهادة والسيادة ومنهج القادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى