مقالات وتقارير

حزب الله تحول إلى لاعب إقليمي قوي بعد حرب تمّوز 2006

ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلاميّ حواراً مع الخبير في الشؤون الدوليّة وشؤون المنطقة الدكتور مسعود أسد اللهي يجري فيها عرض أهمّ التغيّرات التي شهدها حزب الله في لبنان وأعداؤه في الوقت الحالي مقارنة مع فترة ما قبل ثلاثين عاماً، وكيف وازن حزب الله بين كونه حركة مقاومة وطنيّة لبنانيّة ووجوده في منظومة نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه)، وكيفيّة تأثير حزب الله في حرب تمّوز من العام 2006 على الأوضاع في غربي آسيا وخارطة الأمريكيّين الجديدة للشرق الأوسط إضافة إلى تقييم أداء حزب الله في العقد الماضي ومواجهته لفتنة التكفيريّين في العراق والشّام.

ما هي التغيّرات التي حصلت مع حزب الله وأعداؤه في الوقت الحالي بالمقارنة مع ما قبل ثلاثين عام؟ هل التوازن القديم الذي كان بين حزب الله والكيان الصهيوني ما زال قائماً أم تغيّر؟

بالتأكيد، الكل يعرف أن حزب الله له أعداء داخليون وخارجيون أيضاً. خلال الثلاثين عاماً التي شغل فيها السيد حسن نصر الله منصب الأمين العام لحزب الله، تغيّرت المعادلات الداخلية والخارجية أيضاً ضد أعداء حزب الله بشكل جذري.

قبل ثلاثين عاماً، عندما استشهد السيد عباس الموسوي، الأمين العام السابق لحزب الله، وحلّ مكانه السيد حسن نصر الله، في شتاء عام 1992، كان قد مضى سنتان أو ثلاث سنوات على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وكان الشكل الجديد للنظام السياسي اللبناني يخرج توّاً من تلك الحالة الوخيمة والمتأزمة والتي مزّقتها الحرب الأهلية، وكانت العديد من القضايا لا تزال غير واضحة، وكانت انتخابات مجلس النواب الجديد وشيكة. وكذلك كان حزب الله يريد خوض الانتخابات النيابية للمرة الأولى، لأن الانتخابات النيابية اللبنانية لم تجرِ منذ 1975 عندما اندلعت الحرب الأهلية حتى عام 1992. وهذا كان اختباراً كبيراً لـ «حزب الله» ولكل المجموعات في المشهد الداخلي اللبناني، لأنه كان سيتبيّن حجم القدرة السياسية التي كانت لديهم.

في ذلك الوقت، كان حزب الله مجموعة مثل باقي المجموعات ويواجه تحديات مختلفة. وكان جيش الكيان الصهيوني لا يزال موجوداً في جنوب لبنان ويحتل أجزاء من البلاد تحت اسم الحزام الأمني. في مثل هذه الظروف، تولّى السيد حسن نصر الله منصب الأمين العام.

لكن على مدار الثلاثين عاماً الماضية، حدثت تغييرات مهمة جداً في التسعينيات، فشهدنا حرباً استمرت سبعة أيام في عام 1993 وحرباً تواصلت ستة عشر يوماً في عام 1996، والتي خرج فيهما حزب الله بقيادة السيد حسن نصر الله بنجاح كبير. خلال حرب الأيام الستة عشر، تغيرت المعادلة كثيراً لدرجة أن “إسرائيل” اضطرت للاعتراف بحزب الله كمجموعة تدافع عن الشعب اللبناني، رغم أنها لم تعترف به رسمياً. لكن في نهاية حرب الـ 16 يوماً، تحققت معادلة هي: إذا استهدفت “إسرائيل” مناطق سكنية لبنانية، فسيكون لحزب الله الحق في مهاجمة المستوطنات في شمال فلسطين أو في كلّ فلسطين المحتلة حسب المدى لأسلحته. وبالتالي، اضطر الصهاينة إلى قبول نتائج حرب عام 1996. كان هذا القبول بداية تحوّل مهم للغاية. بعد ذلك أيضاً، ومع انتصار حزب الله عام 2000، اضطرت “إسرائيل” إلى الانسحاب التام، لأن نوعية هجمات حزب الله وقوته العسكرية وصلت إلى درجة كان جيش الكيان الصهيوني يتكبّد فيها خسائر بشرية فادحة وتكاليف تسليحيّة مالية كبيرة.

انسحاب “إسرائيل” المهين من جنوب لبنان حدث لأول مرة في تاريخ العرب و”إسرائيل”، واضطر الكيان في حربه مع دولة عربية إلى الانسحاب دون أخذ أيّ امتياز. انسحابٌ من بلدٍ مثل لبنان الذي كان يعتبر الأضعف عسكرياً واجتماعياً من بين دول الجوار لفلسطين المحتلة (مصر والأردن وسوريا).

أعقبَ ذلك انتصارات كبيرة، مثل عملية الأسر في عام 2004، ولكن حدث تحوّل كبير مع اغتيال الحريري في عام 2005؛ أُجبرَ الجيش السوري على مغادرة لبنان بعد 29 عاماً، وكان الجميع يعتقد أنه سيكون هناك فراغ في السلطة سيملأه أنصار لأمريكا و”إسرائيل” والسعودية، لكن حزب الله دخل الميدان باقتدار.

بعد ذلك أيضاً، اندلعت الأزمة السورية في عام 2011، حيث اندلعت حرب دموية جداً بين الجماعات التكفيرية-الوهابية والجيش السوري وحلفائه. وهنا أيضاً تحقق انتصار عظيم تحت قيادة السيد حسن نصر الله وقيادة الشهيد العظيم الحاج قاسم سليماني، وهُزمت القوى التكفيرية. لذلك، الآن بعد ثلاثين عاماً من تولّي السيد حسن نصر الله الأمانة العامة، يجب أن نقول إنه في هذه السنوات الثلاثين، كان حزب الله قادراً دائماً على تعزيز قوته بدعم من جمهورية إيران الإسلامية، وخاصة اللواء سليماني، وخلق توازن قوى أو قوة ردع ضد الكيان الصهيوني.

نتيجةً لذلك، لم تسمح “إسرائيل” لنفسها باجتياح الأراضي اللبنانية منذ عام 2006. لأنها تعلم أن حزب الله قد اكتسب الكثير من القوة الصاروخية والطائرات بدون طيار والأسلحة لدرجة أنه لم يعد من الممكن المخاطرة وفرض حرب برية وجوية عليه.

حزب الله، الذي هو حركة مقاومة وطنية ولبنانية، لكنه موجود في منظومة هوية الثورة الإسلامية ونهضة الإمام الخميني رحمة الله عليه. ما هو تقييمكم حول مراعاة هذا التوازن ومداه خلال مرحلة الأمانة العامة للسيد حسن نصر الله؟

بدأ حزب الله أنشطته كحركة مقاومة في الثمانينيات، وكان خلال السنوات القليلة الأولى عبارة عن مجموعة سرية تماماً ومغلقة وغير معروفة إلى حد كبير، وبحلول نهاية الثمانينيات كانت جماعة عسكرية-أمنية إلى حدٍّ ما، ولم تكن سياسية. لكن مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، دخل حزب الله إلى النظام السياسي اللبناني كمجموعة سياسية، ومنذ التسعينيات فصاعداً، تمكّن الحزب من خلال تدابير السيد حسن نصر الله الحفاظ على هويته الإسلامية-الثورية وهويته الوطنية والداخلية على حدّ سواء. إنه إنجاز عظيم، لكنه كان عملاً صعباً جداً، لأن أعداء ومعارضي حزب الله داخل لبنان كانوا يسعون باستمرار عبر الاتهامات والمؤامرات إلى اتهام حزب الله بالتبعية إلى إيران والخنوع لها والارتزاق منها.

لكن حزب الله، من خلال أدائه الشفاف ودفاعه المستبسل عن لبنان، استطاع أن يفشل كل المؤامرات والعمليات النفسية ضده خلال هذه الثلاثين سنة عبر الإخلاص والجهاد والكفاح والتوكل على الله والسعي والمثابرة. هذا نجاح كبير. لأن جماعة سياسية لا تستطيع بسهولة الحفاظ على هويتها الثورية وهويتها الداخلية والوطنية. لهذا السبب، شغل حزب الله العديد من المقاعد في البرلمان في جميع الانتخابات البرلمانية التي أعقبت الحرب الأهلية وهو جزء من البرلمان ولديه كتلة نيابية. من ناحية أخرى، منذ العام 2005 أيضاً، كان لحزب الله وزراء في جميع الحكومات اللبنانية. لذلك، لا يمكن لأحد الآن أن يتجاهل حزب الله ويقول إنه مجموعة أجنبية أو تابعة للخارج، لأن المجموعة الأكثر لبنانيةً في لبنان هي حزب الله. لأن حزب الله، بدعم من إيران، استطاع محاربة الاحتلال الصهيوني والقضاء على مختلف المخاطر، مثل خطر التكفيريين الوهابيين، ولم يسمح بوقوع ذرة واحدة من تراب لبنان بأيديهم.

يؤمن قائد الثورة بأن المقاومة وانتصارها على الكيان الصهيوني هي نقطة الانطلاق في مسيرة طويلة. ما هي خصائص هذا الطريق وأين هي نقطة نهايته؟ كيف أثّر انتصار حزب الله في حرب الثلاثة وثلاثين يوماً على الأوضاع في غربي آسيا وعلى خريطة الأمريكيين الجديدة للشرق الأوسط؟

المقاومة مسار ونمط عيش ومدرسة ونهج، وقد كانت موجودة دائماً بأشكال مختلفة على مرّ تاريخ البشرية، وتقف ضد الجور الداخلي والخارجي والعدوان العسكري الأجنبي والحروب المفروضة.

وكما ذكرتم، فإن قائد الثورة الإسلامية يقول إن انتصار المقاومة على الكيان الصهيوني ما هو إلا بداية لهذا الطريق. مع انسحاب جيش الكيان الصهيوني من لبنان عام 2000، لم تنته المقاومة ولم تحقق أهدافها؛ هذا أولاً لأن الكيان الصهيوني ما زال يحتل أجزاء صغيرة من الأراضي اللبنانية، وثانياً، لأن “إسرائيل” ما زالت تطمع في موارد لبنان الوطنية والطبيعية، بما في ذلك المياه والنفط والغاز على ساحل البحر الأبيض المتوسط​​، وخاصة في جنوب لبنان، ولديها طمع في التوسع أيضاً. لذلك كان على المقاومة أن تستمر. لأن خطر هذا الكيان لم يتم إزالته بشكل كامل. والآن أيضاً، إذا لم تكن هناك مقاومة وقوة رادعة، فلن يتمكن الجيش اللبناني من مقاومة “إسرائيل”.

من هذا المنطلق، كان انتصار عام 2000 بداية مسيرة طويلة تحوّل فيها حزب الله تدريجياً من فاعل محلي في الساحة اللبنانية إلى فاعل إقليمي قوي يؤدي دوراً فاعلاً مختلف ميادين المنطقة، بما في ذلك سوريا والعراق واليمن و… وذهب أبعد من المجموعات اللبنانية بنحو لم تعد فيه المجموعات اللبنانية الأخرى أن تكون على قدر يكفي لتقديم نفسها بمستوى حزب الله ومنافسته.

لذلك، ستستمر هذه المسيرة الطويلة. لكن أين النهاية؟ بناءً على معتقدات الشيعة فإن نهاية هذا الطريق ستكون مع ظهور وفرج إمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجة الشريف. في ذلك الزمان، ستسلّم المقاومة الراية لإمام الزمان (عج) وستقوم بالعمل تحت لوائه. لذلك المقاومة ستستمر حتى يظهر المُخلّص الموعود ويسود العدل والقسط.

ولكن فيما يتعلق بتأثير حرب الثلاثين يوماً على الوضع في منطقة غربي آسيا والخريطة الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط، يمكن القول إن هذه الحرب كانت بالفعل حرباً فُرِضَت على حزب الله من قِبل مجموعة المحافظين الجدد في أمريكا في عهد الرئيس جورج بوش الابن. في الحقيقة، إن هذه الحرب كانت مقدمة لشن هجوم على إيران. لأن كلاً من أمريكا، وخاصةً المحافظين الجدد المتطرفين، و”إسرائيل”، كان لديهم خوف شديد من حصول إيران على الاقتدار والقوة، وفي عام 2006 نظراً للتطورات الإقليمية وما كان يحدث في العراق والمنطقة، وصلوا إلى نتيجة ضرورة شنّ هجوم كبير على إيران. لكن لأنهم علموا أنه إذا تعرّضت إيران للهجوم، فبالإضافة إلى الرد العسكري الإيراني من الأراضي الإيرانية، فإن حزب الله سيرد أيضاً من أراضيه، وبالنظر إلى أن الجبهة الداخلية لدى “إسرائيل” هشّة جداً أيضاً، أقنعوا الأمريكيون أنه ينبغي أولاً شنّ هجوم مباغت ومدمر وسريع على حزب الله حتى يخسر الحزب كل ما لديه ويصير لا يشكّل خطراً على الكيان الصهيوني. بعد ذلك، ستهاجم أمريكا إيران.

كانت هذه الخطة أكبر من الهجوم على إيران حتى. أيْ أن كل الدول الكبرى في الشرق الأوسط، سواء كانت صديقة أو عدوة لأمريكا، سوف تتفكك إلى دول صغيرة مثل دول الخليج الفارسي، من أجل أن تُحكم بسهولة. كانت خطة الشرق الأوسط الجديدة خطيرة للغاية، ولكن مع المقاومة التي أظهرها حزب الله في حرب الثلاثة وثلاثين يوماً والانتصارات التي حققها، فإنه قضى على هذا الخطر بشكل أساسي.

كذلك فشل المحافظون الجدد في أيضاً واضطروا على الانسحاب مؤقتاً من الساحة السياسة. لذا، كان لحرب الثلاثة والثلاثين يوماً أثر كبير في دحر مؤامرة المحافظين الجدد والحفاظ على محور المقاومة وحماية شعوب المنطقة. ولا ينبغي أن ننسى هذه النقطة أن حزب الله تحول إلى لاعب إقليمي قوي بعد حرب الثلاثة والثلاثين يوماً. قبل حرب الثلاثين يوماً، كان حزب الله يتمتع بلون داخلي بدرجة أكبر، ولكن بعد حرب الثلاثين يوماً، صار أكثر شهرة وشعبية في المنطقة وبين المسلمين في جميع أنحاء العالم.

في نظر قائد الثورة الإسلامية فإن حزب الله ليس سوى جزء صغير من قدرة المقاومة في المنطقة. كيف يمكن تفعيل القدرات الأخرى مثل حزب الله؟

طبعاً، حزب الله هو جزء من محور المقاومة، والآن صار لاعباً أساسياً في محور المقاومة، وشهدنا دوره الحاسم في سوريا والعراق وأماكن أخرى. لكن بالتأكيد هناك قدرات أخرى. أينما وجدنا شيعة وسُنّة يرغبون في مقاومة الهيمنة الأمريكية والاحتلال الصهيوني، فهناك فرص لنا لإضافة لاعبين جدد إلى محور المقاومة لأداء دور في المنطقة. رأينا بين عامي 2000 و2011 كيف توسعت علاقات إيران مع حركات المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك حركة «حماس»، وحققت المقاومة الفلسطينية انتصارات عديدة في مختلف الساحات، والتي صارت الآن كابوساً للكيان الصهيوني.

لذلك، يجب استخدام كل القدرات، حتى القدرات من خارج العالم الإسلامي، التي لديها اتجاهات معادية لأمريكا ومعادية لـ “إسرائيل” ومناهضة الظلم. وهذه فرصة لمحور المقاومة للتواصل معهم رغم اختلافهم أيديولوجياً ودينياً ومذهبياً عن محور المقاومة. لكن لأن هناك أرضية مشتركة في النضال ضد الهيمنة الأمريكية وفي محاربة الاحتلال الصهيوني، لا ينبغي تفويت هذه الفرصة. استفاد حزب الله من هذه الفرص جيداً وكان له علاقة جيدة وفعالة للغاية مع هذه التيارات، لا سيما في العالم الغربي. خلال حرب الثلاثين يوماً، نظّمت هذه التيارات مسيرات كبيرة أمام السفارة الصهيونية في بلدانها، مما ضغط كثيراً على الكيان الصهيوني وأمريكا لإنهاء الحرب.

لذلك، يجب تحديد هذه القدرات، والتواصل معها بشكل صحيح واستخدامها في الوقت المناسب. الآن، دخلت اليمن أيضاً في محور المقاومة، والصهاينة مرعوبون من أن اليمنيين يتقدّمون كثيراً في القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة، لأنهم في نظر الصهاينة قد يشنون هجوماً على الأراضي المحتلة في المستقبل القريب.

كيف تقيّمون أداء حزب الله في العقد الماضي وفتنة التكفيريين في العراق والشام؟

في العقد الماضي، عندما شهدت منطقة غربي آسيا وشمال إفريقيا بأكملها تحوّلات عميقة للغاية، إذْ بدأت الثورات التي كانت في البداية ثورات شعبية حقيقية، ولكن للأسف مع دخول السعودية والإمارات، انحرفت هذه الثورات عن مسارها الأصلي، واتجهت بدل مناهضة الاستبداد الداخلي ومناهضة الهيمنة الأمريكية والاحتلال الصهيوني إلى الاقتتال الطائفي والاقتتال بين الإخوة وتقديم صورة عنيفة وبغيضة عن دين الإسلام المقدس بهدف إبعاد العالم كلّه عن الإسلام. طبعاً، كانت هذه مؤامرة خطيرة جداً، لأن شعوب المنطقة كانت في الدرجة الأولى أمام خطر كبير، ومن ثم جميع شعوب العالم.

لذلك، على الرغم من أن حزب الله لم يرغب في الدخول في مثل هذه القضايا وأعطى الأولوية لمحاربة “إسرائيل”، لكنه رأى أنه إذا لم يدخل في هذه الأزمة ولم يقاتل الجماعات الإرهابية الوهابية-التكفيرية، فإنهم لن يقوموا فقط بالقضاء على شعوب المنطقة وتوجيه ضربة قاسية وخطيرة للعالم الإسلامي، بل سيكونون الخيار الأفضل للصهاينة والأمريكيين، وستنطلق فتنة مذهبية تحت عنوان الشيعة والسُنّة. وهنا دخل حزب الله مرغماً من أجل التصدي لهذا السيناريو أيضاً. في الحقيقة دخلت قوات قوة القدس إلى الميدان بقيادة اللواء الشهيد الحاج قاسم سليماني وتولّت القيادة، وكان حزب الله إلى جانبها. وفي نهاية المطاف، رأينا أن جماعة «داعش» الإرهابية الوحشية والإجرامية قد هُزمت، واضطر القلائل الذين بقوا منها إلى اللجوء إلى الجبال والمناطق الوعرة.

كانت كل هذه الانتصارات ببركة حضور حزب الله وقوة القدس، ومن خلال التنسيق التام والكامل بين الشهيد قاسم سليماني والسيد حسن نصر الله وتَضافر هاتين القوتين مع بعضهما، تمكنتا في الدرجة الأولى من إزالة خطر الجماعات التكفيرية عن سوريا ومن ثم العراق، ودحر ذلك الخطر الرئيسي. لذلك كان حضور حزب الله إلى جانب قوة القدس عنصراً حاسماً للغاية، خاصة أنه كانت هناك مشكلات في العالم العربي وكان ينبغي أن يتابعها مَن يجيدون اللغة العربية ومَن هم على دراية بالثقافة العربية. طبعاً، نجح إخوتنا في حزب الله في هذا الأمر أيضاً، وجعلوا هذه الانتصارات تتحقق.

كيف أثر اتجاه حزب الله المتنامي خلال العقود الثلاثة الماضية على المقاومة الفلسطينية؟

في العقد الأول من تشكيله، ورغم وجود أزمة في لبنان وحرب أهلية، قدّم حزب الله المساعدة إلى المقاومة الفلسطينية. لكن في ذلك الوقت، كانت حركة مثل الجهاد الإسلامي قد تشكلت حديثاً ولم يكن لديها الكثير من القوة. كذلك، تم تشكيل حماس لاحقاً في أواخر الثمانينات. مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، أُتيحت فرصة أكبر لحزب الله لمساعدة المقاومة الفلسطينية. لكن، ولأن الجيش الصهيوني كان لا يزال موجوداً في جنوب لبنان، كانت الأولوية الرئيسية لحزب الله هي مواجهة هذا الجيش المحتل والغاصب في جنوب لبنان. ولكن بعد النسحاب والهزيمة الكبرى للجيش الإسرائيلي عام 2000، ألهمت تلك الهزيمة والخيبة للكيان المحتل الفلسطينيين، وبدأت الانتفاضة الأولى داخل فلسطين المحتلة. استلهم الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الدروس من الانتصار الكبير لحزب الله ودخلوا المشهد بقوة. منذ ذلك الحين، تطورت العلاقات بين حزب الله وحركات المقاومة في فلسطين، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ومختلف الجماعات المشاركة في المقاومة، وأصبحت وثيقةً حيث ركّز حزب الله بشكل أساسي على تقديم الدعم للفلسطينيين. لهذا السبب، عمد الكيان الصهيوني إلى اغتيال الإخوة في حزب الله الذين كانوا معنيّين في تقديم الدعم للشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة وعلى رأسهم الشهيد الحاج عماد مغنية. لذلك، ونظراً للدور المؤثر الذي قام به حزب الله في فلسطين خلال العقود الثلاثة الماضية تقريباً، يمكن القول بالمعنى الحقيقي للكلمة إنّ المقاومة التي تشكّلت في فلسطين تعمل بانسجام مع مقاومة حزب الله وأماكن أخرى، بهدفٍ واضحٍ وجليٍ وقيِّم للغاية.

ما هي التهديدات والمؤامرات التي يواجهها حزب الله حالياً؟

هي نفس تلك التهديدات التي يواجهها حزب الله دائماً من قبل أمريكا وبريطانيا وفرنسا والنظام الصهيوني والدول العربية الرجعية. في لبنان أيضاً، تشكّل الجماعات السياسية، التي ترتبط كل منها مع قوة أجنبية وتتعاون معها مثل أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أو النظام الصهيوني، تشكّل تهديدًا لحزب الله.

من جهة أخرى، أصبح الوضع الحالي في لبنان يشكل تحدياً لـ«حزب الله» بسبب المشاكل الداخلية والوضع الاقتصادي الصعب وانتشار الفساد في الأنظمة السياسية والمالية والإدارية في لبنان. والسبب في ذلك هو أنّ حزب الله يعيش في المجتمع اللبناني، وبالتالي فإنّ أنصاره الذين هم من عامة الناس -شيعةً وسنة ومسيحيين وقسم من الدروز- يعانون من هذا الوضع الاقتصادي الحرج للغاية.

في الواقع، يواجه حزب الله تحدّياً متعدّد الأوجه. أي أنه يواجه تهديدات خارجية وداخلية بالإضافة إلى تلك الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وعليه أن يتعاطى مع هذه التحديات والتهديدات كافّة وفي وقت واحد. هذه مهمة شاقة وصعبة للغاية. لأنه في ظلّ غياب الحاج عماد مغنية والحاج قاسم سليماني، كل هذه الضغوط ملقاة على كاهل السيد حسن نصر الله. اليوم، برغم الانتصارات الكبيرة التي تحققت، لكنّ ضغط العمل ازداد عليه بشكل كبير على السيد نصر الله بحيث يجب علينا جميعاً أن ندعو له كي يواصل هذا الطريق بقوة كما في الثلاثين عاماً الماضية، ويتمكن من قيادة وتوجيه هذه المسيرة ضد الكيان الصهيوني.

لدى قائد الثورة الإسلامية نظرة خاصة إلى حزب الله وشخص السيد حسن نصر الله. في المقابل، يمتلك حزب الله نظر خاصّة تجاه الجمهورية الإسلامية والإمام الخامنئي. ما هو سر هذه العلاقة المميزة بين الطرفين؟

يعلم الجميع أن هناك علاقة خاصّة للغاية بين السيد حسن نصر الله وقائد الثورة الإسلاميّة. لقد أثبت السيد حسن نصر الله على أنه من المحبّين المخلصين لقائد الثورة الإسلاميّة، والجميع يعرف ذلك. تعود جذور هذه العلاقة إلى أكثر من ثلاثين عاماً. أي قبل أن يصبح السيد حسن نصر الله أميناً عاماً لحزب الله، كانت تربطه علاقة وثيقة بقائد الثورة الإسلامية نظراً لموقعيته في حزب الله. حتى عندما كان قائد الثورة رئيساً للجمهورية، كان مسؤولاً عن الملف اللبناني نيابةً عن الإمام الخميني (قده)، وقد أدى ذلك إلى نشوء علاقة وثيقة بينه وبين قادة حزب الله ومنذ بداية الثمانينات، بمن فيهم السيد حسن نصر الله. لكن مع انتخاب السيد حسن نصر الله أميناً عاماً، أصبحت هذه العلاقة خاصة جداً ووثيقة. في الحقيقة، هذان الشخصان كروح واحدة في جسدين من حيث طريقة التفكير والمُثُل العليا والتحليل السياسي ومن حيث البصيرة والصبر والاستقامة.

هذه ذخيرة عظيمة إذا تنشأ أولاً، وقبل كلّ شيئ، من الدين والإيمان والتقوى الموجودة على أعلى مستوى في كلا العظيمين. بالإضافة إلى ذلك، يتمتع كلاهما بالذكاء والحكمة والتدبير، ولديهما رؤية إستراتيجية واستشرافيّة. وقد أدّى هذا إلى جعل العلاقة الثنائية عميقة وفعالة لدرجة أن قائد الثورة يثق بشكل مطلق بالسيد حسن نصر الله وقراراته. من جهة أخرى، السيد حسن نصر الله هو رجل فانٍ في قائد الثورة، وإذا كانت لديه فكرة أو رأي فهو بالتأكيد ينسّقها مع قائد الثورة، وإذا اختلفت وجهة نظره عن وجهة نظر القائد، يضع رأيه جانباً، ويعمل وفق وجهة نظر قائد الثورة. حسناً، هذا الأمر بسبب الإيمان والاعتقاد واليقين لدى كلاهما تجاه الهدف. هذا بسبب المسير الإلهي الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى مجيء إمام العصر (عج) إن شاء الله. نسأل الله أني يطيل عمرهما، ويستمر هذان العظيمان في قيادتهما بنجاح حتى تسليم الراية إلى صاحب الزمان (عج).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى