مقالات وتقارير

لاءات السيد نصر الله تحدد خارطة الطريق الجديدة

عبير بسّام**

قالها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، بأنه لن يقبل أن يجوع اللبنانيون أو أن يتقاتلوا من أجل رغيف الخبز، وأن الشهادة في الحرب أشرف. لم يأت الكلام بالتأكيد من فراغ، فالسيد نصر الله يرى مدى حجم حدة الأزمة اللبنانية. الأزمة التي لاح أفقها منذ سنوات كانت قد تفاقمت منذ 17 تشرين 2019، والاستغلال الأميركي للأحداث. وكان واضحًا أن ما يحدث في لبنان هو عمل مخطط له والمطلوب منه: انهيار الدولة في لبنان، أو أن تصل إلى حافة الانهيار، ليتقدم الأميركي الصهيوني ويقدم نفسه على أنه المنقذ ويعيد بناء الدولة على الطريقة التي يرغب بها. وهذا ما لن تسمح به المقاومة أبداً، والدم الزاكي الذي سال من أجل وقف المشاريع الأميركية في المنطقة لن يسمح ببيعه في طوابير المخابز.  

كانت ملفتة النقاط التي أشار إليها السيد نصر الله، والملفت أكثر هو وضع الإصبع المباشر عليها. كان السيد في خطابه الأخير حازماً وواضحاً وقاسياً على أعداء لبنان في الداخل والخارج. وهدد الكيان الصهيوني بشكل واضح، وأشار إلى أن الهدف من اطلاق 3 مسيّرات غير مسلّحة بأحجام مختلفة فوق كاريش كان إثارة القلق والرعب في قلوب الصهاينة والعاملين على المنصّة العائمة. فإما أن يُسمح للبنان باستخراج الغاز وإلا فإن معادلة واضحة ستُخَط في هذا المضمار، ولو كان عبر اشعال الحرب في المتوسط. فمعادلة “كاريش وما بعد بعد كاريش” تصل حتماً إلى عسقلان. وما أدراك ما عسقلان! إنها بوابة تصدير النفط والغاز في الأرض المحتلة، وهي الميناء الذي من أجله عُطلت إعادة تأهيل وبناء ميناء بيروت بعد الانفجار في 4 آب/ أوغسطس 2020.

أوضح سيد المقاومة المعادلة الجديدة، بكل بساطة ودون الحاجة إلى التحليلات الكثيرة، إلا أنه ترك لنا وللعدو الصهيوني وغير الصهيوني تحديد المجال الحيوي للمعادلة الجديدة. وهذه المعادلة تحمل الكثير من التأويلات المعادية للمقاومة، والتي يتحدث فيها البعض اليوم. ولكن في المفهوم الوطني والإنساني والديني، لا يمكن أن يعني السيد نصر الله أي هدف عربي أو إسلامي، وهذه حقيقة يجب رؤيتها بوضوح كما الشمس في كبد السماء. قد يكون هناك بعض العربان التّابعين للقرار الأميركي، والذين طبّعوا او يأملون بالتطبيع مع العدو الصهيوني، ولكن الشعب العربي في وجدان السيد نصر الله وفي أي بلد عربي هو خط أحمر. كما أن المقاومة الإسلامية والوطنية في لبنان ضد العدو الصهيوني، مهما تكن عقيدتها، عدوها واضح.

كان الخطاب الأخير ملفتاً لناحية توعد المقاومة كل من تسول نفسه البدء بالتنقيب في حقل كاريش قبل حصول لبنان على حقوقه كاملة، توعدٌ ووعدٌ سمعناه قبلاً، عندما وعد السيد نصر الله باستعادة الأسرى وجثامين الشهداء، اذا قال: “نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون”. وخلال استقبال الأسرى المحررين عام 2004 قال إن الاسرائيليين “حمقى لأنهم احتفظوا بالأخ سمير القنطار”، وتوعّدهم: “أقول كان يجب على العدو أن يطلق سمير القنطار الآن، ولأنه لم يفعل أنا أؤكد لكم أنه سوف يندم في المستقبل”، وعند عملية أسر الجنديين عام 2006 اختبر الصهاينة هذا الندم.. المقاومة لا تعدم الجرأة والعزيمة على تنفيذ ما تعد به.

يأتي خطاب السيد تزامنا مع ذكرى بداية حرب تموز 2006 على لبنان، كتذكرة بالحرب وبنتائجها ومسبباتها، وأهمها أن الصهيوني لم يصدق التهديد. حرب تموز التي: أطاحت بحياة إيهود أولمرت السياسية، والتي وأدت مشروع الشرق الأوسط الجديد في مهده، والتي أوقفت غزواً صهيونياً كان المرتجى منه احتلال بيروت ودمشق. واليوم يأتي حديث السيد نصر الله تكملة للحديث السابق عن الفيتو الأميركي المفروض على دمشق وبيروت في استثمار ثرواتهما في البحر الأبيض المتوسط، لينسف هذا الفيتو الخبيث من أساسه.

وهنا يأتي دور الكلام الذي وجهه السيد للرئيس الأميركي جو بايدن، الكلام الذي فيه “الزبدة” كما يقال، أميركا العجوز يقودها عجوز صهيوني. افتتح المغرور الأميركي زيارته للكيان بتعريف نفسه على أنه صهيوني أولاً، وبذا فهو يناصب العداء كل من يقف ضد الوجود الصهيوني في المنطقة. وبايدن الذي حضر إلى المنطقة بحجة دعم “إسرائيل”، لم يأت إلا ليدعم نفسه وحزبه، وليحوز على دعم اللوبي الصهيوني في الانتخابات النصفية القادمة في تشرين الثاني/نوفمبر، وهو الذي جاء من أجل إنهاء أوبك، ليفتح المجال أمام السعودية وقطر لفتح آبارهما على غاربها من أجل سد حاجة أوروبا ولو جزئياً من الغاز والنفط، ومن أجل إيقاف شلل اقتصاد وبنيان القارة العجوز بسبب الحصار الذي فرضته أمريكا عليها بعد حربها على روسيا في أوكرانيا.

جاء بايدن ليفتح الباب على مصراعيه أمام تجارة النفط والغاز بين أوروبا والكيان. لهذا وما سبق من أسباب زيارة العجوز الأميركي للكيان، قال السيد لا. لا راحة لأحد ما لم يرتح لبنان، ولا حرية لأحد ما لم يتوقف الحصار المفروض عليه، ولا عافية لأحد ما لم يستعد عافيته من خلال استثمار مقدراته. لاءات وضعها السيد في وجه بايدن المأزوم عشية وصوله إلى فلسطين، ووضعها في وجه الكيان، ولاءات سنتبينها في القادم القريب، والأيام بيننا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى