مقالات وتقارير

حزب الله.. التجربة والحجة لدى الشهيد السيد حسين الحوثي

علي الدرواني**

في الذكرى الأربعين لحزب الله، ربما من الواجب أن تقال كلمة صادقة وقادرة على أن تفي الحزب حقه لقاء ما قدمه للأمة ومستقبلها، وأجيالها، ويضع تجربته الرائدة موضع الدرس والقدوة والحجة. ولعلنا لا نجد في هذا السياق من يكون قادرًا على توضيح هذه المسألة، مثل قائد استفاد من وجود تجربة ناجحة في محيطه العربي والإسلامي، لانتشال مجتمعه من غياهب التدجين والتضليل والخذلان التي كانت سائدة في عدة مجتمعات عربية وإسلامية، ولا زالت، واستطاع من خلال واقع الامة، وبالاستناد للقرآن الكريم، وآياته الواضحة والصريحة، ووعود الله سبحانه، والنماذج الماثلة أمام الأمة حينها في لبنان وفلسطين وايران، استطاع أن ينشئ جيلًا قادرًا على صناعة النصر، والمشاركة في التحولات الكبرى، في طريق الهداية وشق طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. انه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه.

كان الشهيد القائد كثير الاستشهاد بأداء حزب الله، وقيادته وكوادره المخلصة والمؤمنة. وهنا بعض النصوص التي تفي بالغرض، من محاضراته المختلفة في دروس من هدي القرآن الكريم، والتي حرص السيد حسين بدر الدين الحوثي، على أن يخصصها لرفع مستوى الوعي وإعادة الأمّة إلى مناهلها ومنابع عزتها وقوتها ممثلة بالقرآن الكريم وشواهده المبثوثة في خلق الله، والأحداث التي تمر أمامنا في كل زمان ومكان.

أولا: لعل أبرز المواضع التي تشير الى حزب الله، في محاضرات الشهيد القائد حسين الحوثي كانت في مجال تقديم الشواهد على مصداقية القرآن الكريم، في وعوده بالنصر لأولياء الله وتثبيتهم، مهما كانت إمكانيات أعدائهم، بشرط التحرك من منطلقات التوجيهات الإلهية والالتزام بالارشادات القرآنية، والثقة بالوعود، والتسليم في السراء والضراء. وكان يقول إنه “من المهم جداً أن يتابع الناس عن طريق الفيديوهات العمليات الجهادية التي ينفذها حزب الله، وتجد فيها الآيات، وليس فقط مشاهد عسكرية، تجد فيها مصاديق للقرآن الكريم، مصداقا للقرآن الكريم، تأييدا للقرآن الكريم، أما اليهود { ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } فلا يوجد ما يجعلهم ينتصرون عليك، ولا أحد من حولهم يجعلهم ينتصرون عليك، ولا حبل من الله يبقى، ولا حبل من الناس، كل شيء يصبح متخلياً عنهم، فلا يُنصرون فعلاً”.

في موضع آخر يؤكد الشهيد القائد أن ما تقوم به المقاومة الإسلامية في حزب الله هو من “الشواهد الحيّة على أن من اعتصم بالله فإنه يعتصم بمهيمن عزيز جبار متكبر”، ويتابع: ” ألم يشاهدوا حزب الله كيف يضرب إسرائيل هذه التي يحاولون أن نصمت عنها؟ يضربها وهو لا يبالي، ويتحداها من عند رأسها وهو لا يبالي، يمطر معسكرات “إسرائيل” بالقذائف”.

ومن الآيات القرآنية التي غفل عنها المسلمون: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } (الأعراف: من الآية167). عندما يمر الشهيد القائد على هذه الآية يستطرد أن ما يجري لليهود الصهاينة في فلسطين المحتلة على أيدي المجاهدين، هو من هذا العذاب المهين: “يكون عذاب مهين، مهين، ماذا يعني مهين؟ يعني يجعلك تحتقر نفسك، عذاب يحقّرك. لاحظ الأعمال التي تأتي من جانب حزب الله وحركة حماس والجهاد والحركات المجاهدة، إسرائيل ترى نفسها كبيرة، ومؤثرة، ويأتي هؤلاء يزعجونها إزعاجاً يجعلونها تبدو صغيرة! يُقَزِمُونَها أمام الآخرين! أليس هذا عذابا مهينا؟! مهين، هذا مهين”.

لا يغفل الشهيد القائد عما ينشأ من حالة اليأس لدى الأمّة أمام جبروت الولايات المتحدة، وكيان العدو الإسرائيلي وامكاناتهم العسكرية الهائلة والتقنيات المتطورة، والقدرات المالية الضخمة، ويضع يده على الجرح، قائلا: “الله يعلم أن باستطاعة عباده المؤمنين أن يفعلوا الشيء الكثير الذي يؤهلهم إلى درجة أن يقهروا أعداءه.. ألم يضرب شواهد في واقع الحياة؟ ألم تكن إيران كمثل للدول الإسلامية؟ ألم يكن حزب الله كمثل لكل الطوائف، ولكل المجتمعات؟ حزب الله ألم يقهر أمريكا وإسرائيل؟ أخرج أمريكا من لبنان، ضرب بارجاتها وجعلها تنسحب ذليلة ببارجاتها التي كانت تضرب بقذائف كبيرة جداً، أخرجهم من لبنان، ثم أخرج إسرائيل من لبنان، ويضربهم بمختلف الأسلحة التي يمتلكها، فقهر أمريكا وإسرائيل، حزب واحد!”.

نعم هو حزب واحد، مجموعة من المؤمنين، استطاعوا أن يحصلوا على السلام، لكن ليس بالتخاذل، ولا بالسكوت، فالسلام كما يؤكد السيد الشهيد القائد له سبيل واحد لا مكان فيه للسكوت ولا اليأس: “{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }، الله بكل ذلك يهدينا إلى السلام، يهدينا إلى سبل السلام، فكل من ينشد السلام، كل من يريد السلام، كل من يعرف أن ربه هو السلام، عليه أن يتحرك على أساس القرآن”.

من هنا ينطلق السيد الشهيد الى الواقع الذي نراه في تجربة حزب الله: “ولنرى مصداق ذلك ماثلاً أمام أعيننا، حزب الله في لبنان ألا يعيش الآن في سلام؟ هل التزم الصمت والسكوت؟ أم أنه مجاميع من المؤمنين تشبعوا بروح القرآن الكريم التي كلها عمل وجهاد، كلها وحدة، كلها أخوة، كلها إنفاق، كلها بذل؟”. ولا بد هنا من المقارنة لتكتمل الصورة، ليشير الشهيد القائد الى تعامل أمريكا و”إسرائيل” مع الزعماء والخاضعين من الأنظمة العربية: “ها هم يذلون زعماء تلك الملايين، زعماء يمتلكون مئات الآلاف من الجيوش المسلحة بأحدث الأسلحة.. كل واحد منا لا يرضى لنفسه أن يكون في مقام أي زعيم من هؤلاء الزعماء لأننا نراهم أذلاء.. حزب الله ألا يبدو أمامنا عزيزا؟ هل يمتلك شيئاً مما يمتلكه الآخرون؟ لا.. من أين هذه العزة؟ هي العزة الإيمانية: { فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً }”.

ويتابع السيد الشهيد “لو تحرك هؤلاء كما تحرك حزب الله في لبنان، لو انطلقوا كما انطلق حزب الله في لبنان لحققوا لأنفسهم السلام كما حققه حزب الله لبلده ولشبابه ولمواطني جنوب لبنان. أليس هذا هو ما نجده ماثلاً أمامنا؟ نحن علينا أن نأخذ الدروس ونحن في بداية الأحداث، لا يجوز بحال أن نسكت ونحن نسمع أن الأمريكيين يدخلون إلى اليمن. لماذا جاؤوا؟. وماذا يريدون أن يعملوا؟”.

هكذا اذًا يقدم السيد الشهيد القائد نموذجية حزب الله، وقيادة حزب الله، وعناصر وكوادر حزب الله، ويلفت أيضا كيف يحاول الأعداء وأدواتهم في بلداننا العربية تغييبها عن الوعي الجمعي لشعوبنا، فلا تكاد تجد شيئا عنها في وسائل الاعلام العربية، بينما حقها أن تظل حاضرة بقوة، بما تمثله من مثل أعلى، وأسوة للأفراد والجماعات والأحزاب. وبكل أسى يتحدث السيد الشهيد حسين الحوثي: “هل تسمع وسائل الإعلام العربية تتحدث عن حزب الله؟ أو تسمع وسائل الإعلام العربية تتحدث أو تعرض كلام نصر الله؟!. يهربون من الرجل القوي، بينما أولئك (يقصد العدو الاسرائيلي) يبحثون عن الرجل القوي، ما هي النتيجة الطبيعية لهذا؟ هو أن يكون هؤلاء ضعافاً بضعف زعمائهم، ضعافاً بضعف نفوسهم”.

أكثر من التغييب هناك محاولات تشويه: “ما يتعرض له اليوم حزب الله، ومن هو حزب الله؟ إنهم سادة المجاهدين في هذا العالم، هم من قدموا الشهداء، هم من حفظوا ماء وجه الأمة فعلاً.. ما زال هؤلاء يحافظون على ماء وجوهنا.. اليوم تحاك ضدهم المؤامرات، ولكن بأسلوب آخر”. كان الشهيد القائد بنظرته الثاقبة يدرك محاولة الشيطان الأكبر تشويه صورة حزب الله، وهذا ما نراه ماثلا أمامنا، وقد يسجل بعض النجاح لقوى الشر، في قلب الحقائق انطلاقًا مما يحصل في سوريا، وتقديم ما يقوم به حزب الله هناك، في اطار الطائفية ووصمه بالتوحش وقتل الشعب السوري، رغم انه يقدم التضحيات في حماية سوريا وشعبها من مؤامرات كبرى، والهدف كما يقول الشهيد القائد: “ليُضرَب حزبُ الله فيما بعد ثم لا يتحرك في المسلمين شعرة واحدة”.

ختامًا: عندما يقدم السيد الشهيد القائد تلك الشواهد من واقع الأمة، وما اجترحه المجاهدون في حزب الله، يستثير بها همما كانت خفتت، ويوقظ بها عزائم كانت انهارت، ويقوي بها نفوسا كانت ضعفت: “لماذا العرب لا يفعلون شيئاً؟ نحن نستطيع أن نفعل شيئاً، إذا رجعنا إلى القرآن كما استطاع حزب الله، وحزب الله من الأمثلة الإلهية، يجب أن نفهم أن هذه من الحجج علينا، احتج الله على العرب وعلى المسلمين بإيران وبالخميني، واحتج على الشعوب كشعوب، على الناس كطوائف بحزب الله، حزب الله استطاع أن يرعب إسرائيل، استطاع إعلامه أن يقهر إعلام إسرائيل، استطاع أن يؤثر جداً على إسرائيل”. يبقى الرهان على الشعوب التي لا تزال بعيدة عن حالة الأنظمة، ولهذا ركز الشهيد القائد عليها: “دعوا الشعوب تواجه”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى