التجليات المحمدية في الصمود الأسطوري للبنان وغزة
جعفر الزنكي – البصرة
٣١/٥/٢٠٢٦
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لم يكن الصمود الذي سطّرته شعوب المقاومة في لبنان وغزة حدثاً عابراً في سجل الصراعات المعاصرة، بل كان تجلياً حيّاً للقيم المحمديية الأصيلة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بناء الإنسان المؤمن.
فحين تتكالب قوى الظلم والاستكبار، وتُحشد الإمكانات العسكرية والسياسية والإعلامية لإخضاع شعبٍ أو كسر إرادته، ينبثق من بين الركام نور الإيمان، ليؤكد أن مدرسة الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله ما زالت قادرة على صناعة الرجال وصياغة المواقف وصناعة الانتصارات.
لقد قامت الرسالة المحمدية على مبادئ العزة والكرامة ورفض الخضوع للباطل، قال تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) وهذه العزة لم تكن شعاراً نظرياً، بل تحولت في سيرة النبي الأكرم إلى منهج عملي تجلى في مواجهة قريش وأحزاب العرب وكل قوى الكفر التي أرادت إطفاء نور الله. واليوم نرى صدى تلك المواقف في أبناء لبنان وغزة الذين وقفوا بصدورهم العارية وإيمانهم الراسخ أمام أعتى الآلات العسكرية، رافضين الاستسلام مهما بلغت التضحيات.
ومن أبرز التجليات المحمدية في هذا الصمود الأسطوري قيمة الثبات على المبدأ. فقد علّم النبي صلى الله عليه وآله أصحابه واهل بيته أن الحق لا يُقاس بكثرة الأنصار ولا بقوة العدة، وإنما بصدق الانتماء إلى الله تعالى.
وقد جسّد أهل غزة هذه الحقيقة حين واجهوا الحصار والجوع والدمار سنوات طويلة دون أن يتخلوا عن حقهم أو يساوموا على أرضهم ومقدساتهم. كما جسّدها أبناء لبنان الذين حوّلوا الإيمان إلى قوة ردع صنعت معادلات جديدة في المنطقة، وأثبتوا أن الإرادة المؤمنة قادرة على كسر التفوق العسكري مهما بلغ حجمه.
ومن القيم المحمدية التي تجلت بوضوح في ساحات المقاومة قيمة التضحية والفداء. فالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قدّم النموذج الأعلى في البذل من أجل الرسالة، وسار على نهجه أهل بيته وأصحابه المخلصون. واليوم نشاهد الآباء والأمهات والشباب في غزة ولبنان يقدمون أعز ما يملكون دفاعاً عن الكرامة والحرية، مستلهمين روح الشهادة التي تجعل الموت في سبيل الحق حياةً خالدة.
كما يتجلى البعد المحمدي في وحدة الموقف رغم شدة المحن. فقد بنى النبي صلى الله عليه وآله مجتمعاً متماسكاً تتكامل فيه الطاقات وتتجاوز فيه المصالح الشخصية. ومن هنا نرى كيف تتعانق دماء المقاومين مع دموع الأمهات وصبر العائلات وصمود المدنيين، لتشكل جميعها لوحة واحدة عنوانها الوفاء للقضية والتمسك بالحق.
إن الصمود اللبناني والغزّي لا يمكن فهمه بمعايير القوة المادية وحدها؛ لأنه في جوهره ظاهرة إيمانية وأخلاقية تستمد جذورها من مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وآله. فكل موقف ثبات أمام الظلم، وكل كلمة حق في وجه الطغيان، وكل تضحية تُبذل دفاعاً عن الأرض والإنسان، إنما هي شعاع من أشعة النور المحمدي الذي لا ينطفئ.
ولعل أعظم ما يقدمه هذا الصمود للعالم هو إعادة الاعتبار للإنسان المؤمن الذي يرفض أن يتحول إلى رقم في معادلات القوى الكبرى. إنه إعلان متجدد بأن القيم التي جاء بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ما زالت حية في ضمير الأمة، قادرة على صناعة المعجزات وتحويل المستضعفين إلى صناع للتاريخ.
وفي الختام، فإن لبنان وغزة يقدمان اليوم نموذجاً معاصراً للتجليات المحمدية في أبهى صورها؛ صبراً وثباتاً، وعزةً وكرامةً، وتضحيةً وفداءً. وما دام هذا النور متقداً في قلوب المؤمنين، فإن إرادة الحق ستبقى أقوى من كل أدوات القهر، وسيبقى وعد الله بالنصر والأمل حاضراً في وجدان الأمة مهما اشتدت الخطوب وتعاظمت ادواته.



