إسرائيل وإشعال الفتن بين إيران ولبنان: قراءة في صناعة الانقسام ومحاولات تفكيكه
جعفر الزنكي – البصرة
منذ عقود، تعتمد إسرائيل على استراتيجيات غير مباشرة لإضعاف خصومها، لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى الحرب النفسية والإعلامية. ومن أبرز هذه الاستراتيجيات محاولة زرع الفتن بين الحلفاء، خصوصًا بين إيران ولبنان، عبر استهداف العلاقة مع حزب الله.
في هذا السياق، تتكرر مجموعة من الادعاءات التي تُضخ إعلاميًا بهدف خلق شرخ داخلي، يمكن رصدها وتحليلها والرد عليها بموضوعية.
⸻
أولًا: ادعاء أن حزب الله يعمل لصالح إيران لا لبنان
يُعد هذا الادعاء من أكثر الروايات تداولًا، ويُقدَّم على أنه حقيقة بديهية، بينما هو في جوهره تبسيط مخلّ يخدم هدفًا سياسيًا.
واقع الأمر أن العلاقة بين حزب الله وإيران هي علاقة تحالف استراتيجي، قائمة على تقاطع المصالح في مواجهة إسرائيل، وليس علاقة تبعية مطلقة كما يُصوَّر. فالحزب نشأ في سياق لبناني محلي، وتكوّن ردًا على الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ويستند في شرعيته إلى قاعدة شعبية داخلية.
القول إن الحزب يعمل ضد مصلحة لبنان يتجاهل دوره في تحرير الجنوب عام 2000، وفي ردع الاعتداءات الإسرائيلية لاحقًا. كما يغفل أن أي فصيل سياسي أو عسكري يعمل ضمن شبكة تحالفات إقليمية، وهو أمر لا يقتصر على حزب الله وحده.
⸻
ثانيًا: بعد شهادة حسن نصر الله ومحاولة إشعال الفتنة
في أعقاب خطابات أو مواقف مفصلية، غالبًا ما نشهد موجات إعلامية مكثفة تزعم أن إيران “تخلت” عن لبنان أو عن حزب الله. هذه الرواية تُستخدم لإثارة الشكوك داخل البيئة الحاضنة، وضرب الثقة بين الحلفاء.
لكن عند التدقيق، يتبين أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الأدلة الملموسة، وتعتمد على تأويلات أو تسريبات غير موثوقة. كما أن سلوك الأطراف على الأرض—سياسيًا وعسكريًا—لا يعكس هذا “التخلي” المزعوم.
⸻
ثالثًا: المفاوضات الأخيرة واتهام إيران بالتخلي
مع كل جولة مفاوضات إقليمية أو دولية تشمل إيران، يُعاد طرح فكرة أن طهران قد “تساوم” على حلفائها، ومن بينهم لبنان أو حزب الله.
غير أن قراءة واقعية لطبيعة هذه المفاوضات تُظهر أنها تركز غالبًا على ملفات محددة (كالملف النووي أو العقوبات)، ولا توجد مؤشرات جدية على إدراج لبنان كورقة تفاوضية قابلة للمقايضة.
كما أن إيران تدرك أن قوتها الإقليمية ترتكز جزئيًا على شبكة تحالفاتها، وبالتالي فإن التفريط بها يضر بمصالحها الاستراتيجية.
⸻
رابعًا: الفتنة المستقبلية عبر “تضخيم الفضل”
من المتوقع أن تتخذ الفتنة في المرحلة المقبلة شكلًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في تضخيم دور إيران في أي تهدئة أو وقف تصعيد، بطريقة توحي بأنها “أنقذت” لبنان، مقابل تصوير الطرف اللبناني كطرف تابع أو ضعيف.
هذا الطرح يهدف إلى خلق حساسية داخلية، عبر الإيحاء بعدم التكافؤ في العلاقة، وتحويل التحالف إلى مصدر توتر بدل أن يكون عنصر قوة.
⸻
خامسًا: تفكيك خطاب الفتنة
لمواجهة هذه السرديات، يمكن اعتماد عدة مرتكزات:
• التمييز بين التحالف والتبعية: العلاقات الدولية بطبيعتها قائمة على المصالح المتبادلة، وليس على الإلغاء الكامل لإرادة أحد الأطراف.
• قراءة الوقائع لا الروايات: ما يحدث على الأرض أهم من التحليلات الإعلامية التي قد تكون موجّهة.
• فهم طبيعة الحرب النفسية: إسرائيل لا تراهن فقط على القوة العسكرية، بل على تفكيك الجبهات الداخلية لخصومها.
• تعزيز الوعي الداخلي: المجتمعات الواعية أقل عرضة للانجرار وراء حملات التضليل.
⸻
خلاصة القول
إن محاولة زرع الفتنة بين إيران ولبنان ليست حدثًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية مستمرة تعتمدها إسرائيل لإضعاف خصومها من الداخل. وبينما تتغير الأدوات والأساليب، يبقى الهدف واحدًا: تفكيك التحالفات وتحويلها إلى نقاط ضعف.
غير أن إدراك هذه المحاولات، وتحليلها بوعي وهدوء، يشكّل الخطوة الأولى في إفشالها، والحفاظ على توازن العلاقات بعيدًا عن الضخ الإعلامي الموجّه.

