مقالات وبحوث

السياسي الميداني والسياسي الإعلامي: التقارب والتلاحم

جعفر الزنكي – العراق البصرة
٢١-٤-٢٠٢٦

في المشهد السياسي المعاصر، يتجلى نوعان من الفاعلين الذين يشكلون معًا ديناميكية العمل العام: السياسي الميداني، والسياسسي الإعلامي، وعلى الرغم من اختلاف أدواتهما ومساحات تأثيرهما، فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تناقض، بل تكامل يثري التجربة السياسية ويمنحها توازنًا بين المبدأ والواقع.

السياسي الإعلامي هو الحارس الأمين على جوهر الفكرة وصفاء المبادئ. يتحرك في فضاء الكلمة، ويصوغ الخطاب، ويؤطر الرؤية العامة بما يحفظ نقاء الأهداف ووضوحها. إنه يشتغل على مستوى الوعي، فيحاول أن يمنع الانزلاق نحو التبرير أو التنازل غير المبرر، ويذكّرر باستمرار بالمرجعيات والقيم التي انطلقت منها التجربة السياسية. ومن خلال حضوره في الإعلام، يسهم في بناء صورة ذهنية متماسكة، تحافظ على ثقة الجمهور وتشدّه إلى المشروع السياسي.

في المقابل يعمل السياسي الميداني في ساحة مليئة بالتعقيدات والتحديات اليومية. هو الذي يواجه الوقائع كما هي، ويتعامل مع التوازنات، ويضطر أحيانًا إلى تقديم تنازلات تكتيكية ضمن ما يُعرف بـ”فن الممكن”. فالميدان لا يخضع دائمًا لنقاء النظرية، بل تحكمه حسابات المصالح والظروف المتغيرة. وهنا تظهر مهارته في تحقيق أكبر قدر من الأهداف الممكنة دون الانفصال التام عن المبادئ.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك فجوة بين الاثنين أحدهما مثالي يحلق في فضاء القيم، والآخر واقعي يغوص في تفاصيل المصالح. غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن كليهما بحاجة إلى الآخر. فبدون السياسي الإعلامي، قد ينزلق العمل الميداني نحو البراغماتية المفرطة التي تفقده روحه. وبدون السياسي الميداني، تبقى المبادئ حبيسة الخطاب دون تجسيد فعلي على أرض الواقع.

إن التقارب بين النموذجين هو ما يصنع التلاحم الحقيقي داخل أي مشروع سياسي ناجح. فعندما يتفهم الإعلامي ضغوط الميدان وتعقيداته، ويتفهم الميداني أهمية الحفاظ على الخطاب المبدئي، ينشأ توازن صحي يضمن الاستمرارية والمصداقية معًا. ويصبح الاختلاف في الأدوار مصدر قوة لا سببًا للانقسام.

في نهاية المطاف، السياسة ليست مجرد شعارات، ولا مجرد صفقات، بل هي مزيج دقيق بين الرؤية والتطبيق. والسياسي الناجح، سواء كان إعلاميًا أو ميدانيًا، هو من يدرك أن الحفاظ على هذا التوازن هو الطريق الوحيد لبناء مشروع سياسي متماسك وقادر على الاستمرار.

وما نشهده اليوم في الجمهورية الاسلامية بين السياسي الاعلامي والسياسي الميداني نموذج راقي لذلك الفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى