دعوة لشجب وإدانة الاعتداءات الأخيرة والخرق الفاضح للقوانين الدولية

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الجمعية الدولية للفلاسفة والمفكرين والأكادميين المحترمة
من المجمع العالي للحكمة الإسلامية
الموضوع: دعوة لشجب وإدانة الاعتداءات الأخيرة والخرق الفاضح للقوانين الدولية
إن أهم رسالة تقع على عاتق الفلاسفة هو تحكيم أواصر العقلانية الذين كانوا يفتخرون بها دومًا ونشرها، وبدل أن يكونوا طرفًا في الأزمات الاجتماعية والنزاعات السياسية، كانوا سبّاقين إلى تحليل هذه الأزمات وتقييمها وبيان أنواع العوائق التي تواجه القيم البشرية من خلال الاستعانة بفكر عقلائي ثاقب.
وقد واجهت هذه العقلانية انتكاسات حادة في الساحة السياسية والاجتماعية للمجتمعات والدول التي أدلت بمواقف نابعة من الهلوسة وإضمار الحقد والشر للنوع البشري.
في عالم يعد الهروب من العقل والعقلانية مبعث فخر لدى البعض، فإنّ الفلاسفة هم الذين يتولّون كشف الحقائق بغية نجاة الإنسان المعاصر وإنقاذه من براثن إعلام أصحاب السلطة والجاه كي لا يصبح أداة طيعة بيد الأثرياء وأصحاب النشر والإعلام المزيف وكي يتخذ الموقف الصائب النابع من العقل والعقلانية ضد جرائم المستكبرين والظالمين بعيدًا عن الحياد.
إن نشر الوعي هو إحدى هواجس الفلاسفة، ولم يدخروا وسعًا في هذا السبيل حتى يتيسر للبشر التفكير بعقلانية ومناهضة أي شر في العالم وفضحه.
وقد تمكنا نحن الفلاسفة الإيرانيين انطلاقًا من ميراثنا المشرق القائم على العقلانية والحكمة والمعنوية من الأخذ بزمام المبادرة والاستمرار بثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا – بينما العالم في الوقت الحاضر محروم من أية حقيقة متعالية، فقد عانى من غياب العقل ونبذه ورواج النفعية لدى أصحاب السلطة الذين لا يلتزمون بأبسط مقومات المنطق السليم ولديهم الاستعداد لارتكاب أية جريمة بغية الوصول إلى مصالحهم – وقد اتخذوا الآخرين عبيدًا لهم وبذلوا الوسع لإخماد أية حركة تنادي بالحرية والاستقلال بوسائلهم العسكرية والإعلامية.
وإذا كنا نرى في الماضي أنواع الشرور في زوايا هذا العالم، فإن أصحاب السلطة في العصر الراهن، قاموا بعولمة مواقفهم السلطوية – حتى بات العالم يعاني من السلطوية واحتكار الثروات وسوق المجتمع البشري نحو هاوية نبذ العقل والعقلانية – من هنا فإننا ندعو الفلاسفة في جميع أرجاء العالم إلى إطلاق صرخاتهم بوجه هذا الظلم الفاحش.
إن جرائم الصهاينة في الإبادة الجماعية للفلسطينيين لا تنتهي عند هذا الحد بل إنهم تمادوا في غيِّهم وسلكوا منهجًا ضد القوانين البشرية والعقل والعقلانية وجروا أمريكا من ورائهم – وأصبحت إيران في معرض هجماتهم السلطوية المسعورة لاسيما بعد انتصار ثورة الشعب عام ١٩٧٩م – فقد واجهت الحكومة الإسلامية بعد استقرارها من خلال الاستفتاء الشعبي الواسع واجهت اعتداءات سافرة ومتكررة من قبل أمريكا وربيبتها إسرائيل الغاصبة.
ويعود منشأ هذه الاعتداءات إلى مخالفة إيران للأحادية القطبية والسلطوية والدفاع عن حقوق المظلومين والوقوف بوجه الاحتلال وانتهاكاته والحفاظ على حرية الشعب واستقلاله، وطيلة تلك السنوات مورست أنواع مختلفة من الانتهاكات والجرائم ضد الشعب الإيراني الأبي من جانب أمريكا والصهاينة، منها الحصار الاقتصادي غير الإنساني الذي شمل قطاع الأدوية والمالية إلى جانب اغتيال الشخصيات السياسية والعسكرية واغتيال العلماء وبعض الفلاسفة، ومنها الهجوم على سفارات إيران وممارسة الحرب النفسية والإعلامية.
وقد شهدنا خلال ثمانية أشهر المنصرمة حملتين عسكريتين من جانب أمريكا والصهاينة على إيران وشعبها التواق إلى الحرية والاستقلال. هذه الحملات شنّت في وقت كانت المباحثات قائمة على قدم وساق بين إيران وأمريكا، إلا أنهم اتخذوا المباحثات ذريعة لمباغتة إيران وشن الحرب عليها، ففي الساعات الأولى من شن الحرب الثانية في فبراير عام ۲۰۲۶ ميلادي استهدفت مدرسة في مدينة ميناب بأحدث الصواريخ الفتاكة أسفر عن استشهاد ۱۸۰ تلميذًا، وقلّما شهد التاريخ هجومًا بهذه الشراسة والدموية انتهت بمقتل هذا العدد الكبير من الأطفال الصغار.
وفي الحرب الأخيرة فإنّ اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وزعيم الشيعة في العالم السيد علي الحسيني الخامنئي (قدس سرّه) يعد مصداقًا بارزًا لهذه الجرائم، وكان آية الله الخامنئي من الوجوه التي قل نظيرها في مختلف المجالات العلمية والإدارية والثقافية، وكان يولي اهتمامًا خاصًا بالفلسفة والعلم والثقافة واحترام مكانة الفكر والمفكرين، وكان دومًا يؤكد على السلام والمحبة، وكان مفكرًا ومؤلفًا وصاحب رأي في مختلف سطوح العلم، وإيمانًا منه بضرورة قيام عالم عارٍ من العنف والإرهاب أفتى لأول مرة بضرورة منع إنتاج الأسلحة النووية. هذه الفتوى شكّلت أساس المبادئ الدينية والعقلية وصدرت انطلاقًا من رعاية حقوق البشر، وقد التزمت حكومة إيران بهذه الفتوى باعتبارها إلزامًا دينيًا وواجبًا امتثاله؛ أما أمريكا والصهاينة فقد قاما بإعذار واهية باختراق أجواء إيران ومدينة طهران واغتيال مرشد الثورة الإسلامية غدرًا بأقسى وحشية ودموية، هذه الجريمة بأي مبنى عقلي أو قانوني يمكن تبريرها؟
إن الاعتداءات العسكرية الأخيرة التي قامت بها أمريكا والصهاينة هي في الواقع ارتكاب جرائم حربية في حق المدنيين والبنى التحتية لإيران والهجوم على المدارس والمستشفيات والجامعات والمراكز الرياضية والمساجد والمكتبات ومراكز الطوارئ وإطفاء الحريق والأبنية التاريخية و المناطق السكنية وقتل المدنيين كلها تكشف عن الماهية المجرمة لهذه الاعتداءات. في ظل هذه الظروف هل بإمكان الفلاسفة السكوت تجاه تلك المذابح البشرية وموت العقلانية والالتزام الصمت وعدم الإدلاء بأي موقف إزائها؟
هذه الجرائم ليست نقض الحقوق الدولية والأصول الإنسانية فحسب بل هي محاولة لقمع إرادة الشعب – ولإيران باعتبارها دولة مستقلة حق الدفاع عن مصالحها الوطنية – ومن المؤسف أن بعض الدول كانت تعتقد أن ضبط النفس لدى إيران دليل على ضعفها فشنوا عليها حملات عسكرية شعواء انطلاقًا من هذه الحسابات الخاطئة – ظنًا منهم أن إيران كسائر الدول سوف تركع و يتم احتلالها في أقصر وقت وتجزئتها والإطاحة بنظام الحكم فيها – إلا أنهم لم يدركوا هذه الحقيقة وهي أن الشعب الإيراني العظيم مع ما يتمتع به من خلفية حضارية وثقافية واعتقاد ديني راسخ لا يستسلم للظلم والقهر أبدًا ولا يرفع الراية البيضاء بل أبدى صمودًا ومقاومة منقطعة النظير.
وفي هذا السياق استعانت أمريكا وإسرائيل بوسائل بثّ الكذب والزيف والحرب الإعلامية، وجعل الأخبار ونشر المعلومات المضللة من أجل تحريف الرأي العام وقلب الحقائق وتبديل الظالم إلى مظلوم.
وقد أدرك المجتمع البشري خلال الحروب المدمرة في القرن العشرين أدرك ضرورة سيادة السلام العالمي وتبديل العنف إلى حوار ودبلوماسية عقلانية. ولهذا الغرض أنشئت المؤسسات والوسائل القانونية والسياسية الدولية نظير منظمة الأمم المتحدة بهدف إدارة الاختلافات ومنع النزاعات – إلا أنه تم تجاهلها عبر الاستعانة بالقوة القاهرة التي تشكل خطوة رجعية نحو العودة إلى دوامة العنف والإرهاب وقانون الغاب – بعيدًا عن السلام والوئام.
إن الفلاسفة ليسوا منظرين تجريديين بل هم حملة التيار العقلي ووجدان المجتمع الواعي – لأن رسالة الفلاسفة الملتزمين في الدفاع عن العقلانية العالمية وحرية البيان، هي الوقوف بوجه هذا الظلم الفاحش والجرائم المرتكبة – فهم صوت الحقيقة والأخلاق؛ وسكوتهم والتزامهم الصمت تجاه الانتهاكات والجرائم تعد خيانة لرسالة الفلسفة والفلاسفة.
من هنا ندعو الفلاسفة في سائر أنحاء العالم إلى إدانة الاعتداءات الأخيرة على إيران باعتبارها نقضًا صريحًا للعقلانية والقوانين الدولية والأصول الأخلاقية وإلى التأكيد على ضرورة رعاية السلام العالمي ونبذ العنف والكف عن قتل المدنيين واحترام حق اختيارالإنسان والسيادة الوطنية للدول من خلال صدور بيان أو نشر مقالة وإقامة ندوات علمية. كما ندعو الجمعية الدولية للفلاسفة إلى استثمار نفوذها الفكري في إبداء تحليل فلسفي عميق لمواجهة المواقف التي تدعو إلى التطرف والتبريرات غير العقلانية لاستخدام العنف والدعوة إلى تغليب لغة الحوار والتعايش السلمي.
اعلموا أيها الزملاء الأعزاء يقينًا أن التاريخ سيكتب أسماءكم بحروف من نور إذا اتخذتم المواقف المسؤولة وفي المقابل فإن السكوت تجاه تلك الجرائم. والتزام الصمت تجاه ممارسات أصحاب نبذ العقل والعقلانية من ظلم النساء والأطفال وقتل الأبرياء سيثبتها التاريخ ويدينها. لدينا أمل وطيد أن حضور الفلاسفة وفعالياتهم في هذا المنعطف التاريخي المهم سيؤدي إلى غلبة نداء العقلانية والبشرية على نبذ العقل والعقلانية وانتهاكات حقوق البشر.
على أمل تحقيق مستقبل حافل بالعدالة ورعاية حقوق البشر وخالٍ من العنف.
المجمع العالي للحكمة الإسلامية
مارس ۲۰۲٦ _ شوال ۱۴۴۷

