مقالات وبحوث

المقاومة ومشروع بناء الوطن

الشهيد القائد / السيد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه)

كم كنت أرغب أن تكون معالجة إشكالية العلاقة بين المقاومة والمشروع الوطني منحصرةً في الإطار الفكري البحت، بعيدًا عن كل الالتباسات الناشئة من الواقع السياسي الذي يمر به وطننا العزيز؛ ذلك أن القضية حساسة جدًا، لارتباطها برؤية فكرية عميقة إذا قُدّر لها أن تقدّم حلًا مقنعًا، فإنها تؤسّس لمسار تحتاجه كل منطقتنا، في إطار رؤية جديدة تقوم عل التمازج بين المقاومة والدولة، لاستثارة عناصر القوة في مجتمعاتنا، ولبثّ الأمل عند شعوبنا التي شهدت تجارب متعدّدة لم تجنِ من معظمها سوى الخيبات المتتالية، والمزيد من التراجع إلى حد الشك والريبة في الانتماء الثقافي والتاريخي.
إلا أن الموضوعية والمسؤولية تحتّمان أن ألحظ في الموضوع العناصر المتداخلة فكريًا وسياسيًا وعمليًا من أجل الاقتراب أكثر من روح الإشكالية المطروحة، ومحاكاة موضع الحاجة، ولأن حزب الله هو الحزب المقاوم في التأسيس والرؤية والمسار والهدف، فإن المقاربة تتطلب دقة في عرض الرؤية الفكرية والاستفادة من التجربة ونتائجها.
لعلي أوفق لإعطاء إجابة كافية لتكون مساهمة متواضعة ونافعة في بناء وطن طالما أريد له أن يعيش في الالتباسات والضياع والمفاهيم المائعة، ليصل الأعداء إلى مآربهم، وليبقى لبنان تائهًا ينتقل من أزمة إلى أخرى في خضمّ هذه المنطقة التي تشهد أكبر صراع وأطول معاناة.
الإشكالية
إن الإشكالية المطروحة اليوم تقوم على افتراض تعارضٍ بين مشروعَي المقاومة وبناء الوطن إلى حد التباين أحيانًا؛ ذلك أن المقاومة تستند إلى ثقافة ومشروع وأهداف خاصة لا يتحمّلها لبنان الوطن والدولة، حتى لقد أطلق البعض العنان لمخيلته فافترض بوجود المقاومة وجود دولتَين وجيشَين وسلاحَين، وصولًا إلى الكارثة المفهومية بوجود ثقافتَين متباينتَين، واستولد البعض من هذا التعارض المفترض إشكالات ومصاديق واتهامات جاءت بها مفردات السياسة اللبنانية بعبارات منمّقة وألسنة محدّدة، متستّرين وراء مفهوم الوطن الذي افترضوا أنهم دعاته الأصليون، ورموا كل هذه السهام بوجه المقاومة وأتباعها ومؤيديها.
في البداية سأحاول التجرّد ما أمكن في معالجة الموضوع دون أن أتمكن من إخفاء بعض المرارة أحيانًا على قاعدة التعاطي مع الأمور بواقعية، وكمقدّمة أحتاج إلى بسط وتشريح هذه الإشكالية فأقول:
إن الإشكالية المطروحة تتغذى عادةً من منشأ مركوز في الأذهان والتجارب عند البعض، ومن واقع لا يمكن تجاهله، والمنشأ له بعدان: أولهما: فكري، وثانيهما سياسي.إذًا نحن أمام عناوين ثلاثة:
1- المنشأ الفكري: وهو أن المقاومة الإسلامية في لبنان تنتمي فكريًا إلى مقولة الحركات الإسلامية التي ترفع لواء الإسلام فكرًا ونهجًا ومسلكًا، وتبني رؤيتها وأهدافها على الدين وتشريعاته، والمنغرس في الوعي والتجربة. إن الحركات الإسلامية عمومًا تجنح نحو كيان الأمة، وهي لا تقر مبدأ المواطنة في إطار الجغرافيا التي قُسّمت الأمة فيها إلى كيانات من قبل المحتل والمستعمر، بينما الفكر الإسلامي يتطلع إلى الدائرة الأوسع من حدود الجغرافيا، أو اللغة، أو العرق. وعليه، فإن ما ينطبق على الحركات الإسلامية ينطبق بالضرورة على المقاومة الإسلامية، وهذا بالضبط ما تعكسه الترديدات التلقائية بين الحين والآخر لبعض من يتحصّن بفكرة الوطن، فيوجّه انتقادات لاذعة وجذرية للمقاومة فينسبها إلى مشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الوطن.
2- المنشأ السياسي: المرتبط بتجارب الحركات الإسلامية التي تعلن أهدافًا واضحة تتضمّن إقامة الدولة الإسلامية، فترفع شعارات تتنكّر بوضوح للوطن كإطار نهائي، وتطرح بدائل جذرية تغييرية في برامجها السياسية، وهذا هو الموجود في معظم بلدان العالم الإسلامي، وبعض هذه الحركات الإسلامية موجودة في لبنان، وقد اعتبر البعض أن هذه الطروحات تشكّل النقيض لمفهوم الوطن وللمواطنة، وألحق المقاومة الإسلامية بهذا الطرح، فسمح لنفسه تجريدها من الخصوصيات الوطنية ثم ألبسها تهمة الانتماء إلى مشاريع إقليمية، والأنكى من ذلك أن هذا البعض يتداول مفاهيم ومصطلحات إسلامية مرتبطة بالحكم وشؤونه الفقهية، فيستخرج منها ما يتناسب مع موقفه السياسي، ليؤسّس إشكاليات ومبتنيات تصبح كالحقيقة، وهي أبعد ما تكون عنها، ومن جملة هذه المفاهيم مفهوم ولاية الفقيه، الذي يحمل كل المواقف التي تخالف بعض السياسيين في لبنان، ولم يكلّف هذا البعض نفسه عناء البحث العلمي والتفحص للمراد من هذا المفهوم.
3- واقع الصراع في المنطقة: من نافل القول: إن الصراع القائم في المنطقة استقر اليوم على مشروعَين عريضَين وأساسيَّين، ولا يمكن للمقاومة أن تخفي انسجامها والتقاءها وانحيازها للمشروع المناهض لمشروع الهيمنة الأميركية بمختلف أدواته وتحليلاته. كما أنه لا يمكن للطرف الآخر في لبنان أن ينكر انسجامه وانحيازه للمشروع الأميركي إلى حد المراهنة عليه في كل تفصيل.
لذا فقد يحلو للبعض أن ينسب للمقاومة الانتماء لمشروع محاربة أميركا في المنطقة، ويعتبر ذلك فوق طاقة الوطن وتحمّله، وفيه خدمة لمشاريع إقليمية، وبالتالي غير وطنية، دون أن يكلّف هذا البعض نفسه عناء التفكير في ما تقوم به أميركا في لبنان، ودورها الخبيث والعدواني في الدعم المطلق للصهاينة. إذًا، من السذاجة بمكان أن نعزل مفردات الانقسام الحاد في لبنان عن مناخ الصراع الدائر في المنطقة.
في هذا الخضّم، ومع تداخل الأسباب والدواعي، فإن المقاومة تواجه سيلًا من الاتهامات، وتطالَب بين الحين والآخر بتأكيد وطنيتها وحدود أهدافها، وقبل أن أشرع في بسط الإجابة وتقديم الرؤية، أرى من حقي وواجبي أن أعرض هذه الإشكالية على المعايير الوطنية، كي لا ننساق إلى موقع يجرّنا إليه البعض تنفيذًا لرغبة، أو استدراجًا غير بريء وغير منزّه، ليكرّس انطباعًا مصطنعًا، ويضعنا في موقع الدفاع دون أن تطال أسس إشكاليته أية زعزعة، وهي في الأصل واهية، ذلك أن بعض من يلحّ في طرح الأمر لم يكن يومًا مؤمنًا بمقاومة العدو الإسرائيلي، ولم يوفّر فرصة للنيل منها، والبعض الآخر لم يكن يرى أي غضاضة في الإعلان الصريح عن تأييد المقاومة ومشروعها إلى حد التبنّي، لكنه في لحظة الإحساس بتضارب الموقف مع مصالحه الشخصية والانتخابية انقلب على كل مواقفه. ففي الوقت الذي لا ترى المقاومة نفسها ملزمةً بتضييع الوقت والإنجرار نحو سجالات غير مفيدة، وهي في موقع التضحية من أجل الوطن وعزته، إذ ليس وظيفتها الوقوف على خاطر من لا يرى في الوجود إلا ذاته، فإنها تجد نفسها معنية وبكل إخلاص ومسؤولية ببيان رأيها وتقديم رؤيتها لكل من يفتش عن الحقيقة، لاتخاذ الموقف الوطني المبني على الوقائع وليس المستولَد من أوهام.
حزب الله حركة إسلامية ووطنية مقاومة
إن الرؤية الدينية التي يتبنّاها حزب الله لا تتنافى أبدًا مع المشروع الوطني، فهو حركة دينية تؤمن بالوطن وتعمل على بنائه وتوفير كل فرص النجاح فيه، والقيام للوطن بالتشارك والتعاون مع كل أبنائه، وأكثر من ذلك فإنه سخّر كل وجوده للحفاظ على استقلاله وسيادته والدفاع عنه، وبناءً عليه فإنه لا مجال للتحدّث عن تعارض أو تناقض بين مشروع حزب الله، والمشروع الوطني، أما بيان ذلك:
1- الدين والوطن:
الوطن في اللغة هو محل الإقامة مطلقًا، ومنزل الكائن حيث يولد وينشأ ويتربّى تربية نفسية وعاطفية وفكرية واجتماعية، فهو الحيّز الجغرافي الذي يتخذه لنفسه مسكنًا، وجمعُه أوطان، واسم المكان منه الموطن، وجمعه المواطن، والفعل منه أوطن، يوطن؛ أي أقام وسكن. ويقال: وطن الأرض ويوطنها توطينًا، واستوطنها ويستوطنها استيطانًا؛ أي اتخذها وطنًا[1].
وأما الوطن بالمعنى الخاص له فهو “البيئة الروحية التي تتجه إليها عواطف الإنسان القومية، ويتميز الوطن عن الأمة والدولة بعامل وجداني خاص، وهو الارتباط بالأرض وتقديسها لاشتمالها على قبور الأجداد”[2].
والوطن بالمعنى الاصطلاحي هو المكان الذي تقيم فيه جماعة إنسانية مشتركة في اللغة والقيم والعادات على أرض واحدة تبني عليها نظامها القيمي، وتدير شؤونها من ضمن قواعد هذا النظام بما يشتمل عليه من الانتماء للأرض وإعمارها والاستفادة من خيراتها، وداخل هذا الوطن تقام الدولة بما هي عقد اجتماعي بين هذا الجماعة، فتنشأ منه قوانين الدولة، وعلى رأسها القانون الأساسي؛ وهو الدستور الذي يحدّد هوية الوطن وحدوده الجغرافية وأصول الانتماء إليه.
والمواطنة تعني انتماء الفرد إلى الوطن، والاندماج مع الجماعة، والالتزام بنظام القيم والقوانين التي تقوم على أساس المساواة في الحقوق والواجبات.
أما الدين فهو مجموع القيم الاعتقادية والعملية بما فيها التشريعات والأحكام التي جاء بها الأنبياء والمرسلون (ع) لربط الفرد بخالقه، والالتزام بهذه القيم من موقع الاختيار والمعرفة، إذ لا إكراه في الدين، وهو بهذا المعنى يشتمل على كل ما تضمنته الديانات السماوية، فتكون قيمه أوسع دائرة من اللغة والجغرافيا والقومية وأية خصوصية؛ لأن شأن الدين منصب على الإنسان المخلوق، ولذا فإن طبيعة الدين والتديّن الانتشار والدعوة والتبشير لخلاص البشرية عامة، ومنه تكوّنت عمومية الفكر الديني، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[3].
ويتضح مما ذكر أنه لا منافاة في المبدأ بين ما يدعو إليه الدين وما يدعو إليه الوطن؛ لأن قيم الدين تستوعب القيم الإنسانية المحقة الناشئة من حاجات وعادات وخصوصيات، والدين الإسلامي لم يلغِ الخصوصيات الفردية والاجتماعية، وإنما عمل على صقلها وتنقيتها من الشوائب والمظالم التي سادت بفعل ثقافات خاطئة وسيِّئة تتنافى مع البعد الإنساني، وأحيانًا استفاد منها واعتمد عليها كأطر في خدمة هداية الفرد والمجتمع، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[4]؛ فالآية صريحة بوجود الخصوصيات (شعوبًا وقبائل) لكن التصرف الديني كان في أمرَين:
الأول: {لِتَعَارَفُوْا}؛ أي وجّه الخصوصية نحو هدف سام، وهو الإيجابية في العلاقات الإنسانية.
الثاني: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}؛ أي أوجد معيار التفضيل المرتبط بالتقوى، وهي قيمة دينية عالية ترفع شأن المجتمعات، ومن هذا القبيل حين ذم الإسلامِ العصبيةَ حيث أراد منها الميل إلى شرار قومك لتعتبرهم أفضل من خيار قوم آخرين. يقول الإمام علي بن الحسين (ع): “وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم”[5]، ولذا نجد في منظومة القيم الاجتماعية التي حث عليها الإسلام التأكيد على الروابط الخاصة، واعتبارها أساسًا في سلامة المجتمع، وما زالت إلى اليوم تعتبر من مفاخر الثقافة الدينية، كرابطة الأسرة والعائلة وصلة الرحم، وأسبغ عليها الإسلام صفة الوجوب والالتزام.
إذًا، النظرة الدينية تتسم بالإيجابية لجهة ما تنتجه القيم الإنسانية عمومًا، وإذا كان هناك ملاحظات فإن الغرض منها هو رفع شأنها لتلتقي مع قيم الحق والعدل، فإن كان الوطن بمفهومه القائم على خصوصية جماعة أمرًا وجدانيًا وعاطفيًا ويشكّل قيمة إنسانية فلماذا يرفضه الإسلام؟ وإذا كان الانتماء الوطني أمرًا طبيعيًا يعكس انشداد الإنسان وانجذابه إلى الأرض التي ولد فيها وترعرع في أحضانها ونما في خيراتها، وأوجد تفاعلات إنسانية واجتماعية فشكّل مصدر غنى ثقافي وعاطفي وصولًا إلى المشترك السياسي الذي ينتج منظومة حقوق وواجبات تفرض مفهوم المواطنة، فأي ضير في ذلك؟ وهل لا يكون المواطن مواطنًا إلا إذا تخلى عن عقائده وقيمه الدينية وهي الأوسع والأرحب إنسانيًا؟
نعم إن القياس على تجارب دينية خاطئة مرّت بها شعوب وأمم أوجدت عقلية متطرفة عند بعض الفلسفات التي تعتبر من ركائز الدولة الحديثة، حيث اعتبر هؤلاء أن بناء الدولة لا يتم إلا بنفي الدين وإقصائه، وهنا تصبح المشكلة عند هؤلاء، وليس عند من يتمسّك بدينه مع المحافظة على الإطار الوطني، فقد ورد في الحديث عن الإمام علي (ع): “عُمِّرت البلدان بحب الأوطان”[6]، وورد في حديث آخر مشهور: “حب الوطن من الإيمان”[7].
وقد ذكر الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان: “إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره، فالإنسان أحق بالحنين إلى أوطانه”، ونقل على لسان أحد الفلاسفة: “فطرة الرجل معجونة بحب الأوطان”[8].
وفي تجربة الرسول الأكرم (ص) في المدينة المنوّرة ما يغني الموضوع لجهة المعاهدات والاتفاقات التي أبرمها مع سائر أتباع الديانات الأخرى، والتزمها إلى آخر حرف، وهي إنما نشأت من حدود المشترك الذي يقر تفاعلًا إنسانيًا واجتماعيًا وحقوقًا وواجبات. والبعد الأخلاقي الذي يوفره الدين في شدة الالتزام بمقتضيات العقد الاجتماعي عنصر فائق الأهمية في حفظ الأوطان وعدم تفكّكها، خاصة إذا كان الوطن يقوم على تعدديات كما هو حال لبنان.
ولأن سيرة الرسول الأكرم (ص) والأئمة الأطهار(ع) بالنسبة إلينا أحد مصادر الأدلة في تكوين الرؤية والمنهج، سأذكر مثالَين في تاريخنا الإسلامي:
أ-
هجرة الرسول (ص) إلى المدينة إنما كانت من مكة المكرمة، وهي الوطن الأصلي بالنسبة إليه، فمع كل ما لاقاه الرسول (ص) من تأييد وحفاوة واستقبال في المدينة، حيث أقام فيها دولته ونشر منها الإسلام، لم يتخل عن مكة وطنه الأساسي، وفي بعض الروايات أنه حين كانت تُذكر أمامه كانت عيناه تغرورقان بالدموع حنينًا إليها، فالهجرة النبوية مع أهميتها القصوى وتخليد ذكراها في الوجدان والتاريخ الإسلاميَّين، إلا أنها بقيت هجرةً عن الوطن.
ب- حين حصلت غزوة الأنبار من قبل جيش معاوية في زمن خلافة الإمام علي (ع) واعتدي على أهلها تألم الإمام (ع) كثيرًا، وقرّع الجند الذين لم يقوموا بواجبهم في الدفاع عن أبناء الوطن سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وخطب خطبة الجهاد المعروفة والتي يقول فيها: “ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها، وما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام”[9]، إن موقف المساواة في حقوق المواطنة هو الذي يوجب الدفاع عن كل مواطن دون أي تفريق، فلولا ملاحظة هذا المشترك الوطني، هل كان هناك حاجة في هذا الموقف؟
وعلى كل حال فإن الأمثلة كثيرة والشواهد واضحة، وكلها تؤكّد على نظرة الإسلام للآخر الذي يشاركه الأرض والثقافة والمصالح والقانون، فإنها نظرة تعكس هذه الرؤية الدينية الصافية.
2- المشروع الديني والمشروع الوطني:
قد يقول قائل: إن ما ذُكر لا يعدو كونه معالجة نظرية لم تتطرق لناحية الرؤية العملية، والتي تشكّل عادة مشروع الإسلاميين بالسعي للوصول إلى السلطة، وإنجاز الدولة الإسلامية وفرض أحكام الشريعة، وهذا ما تجاهر به على الأقل معظم الحركات الإسلامية كهدف سياسي مشروع يتجاوز في بعض أبعاده حدود الكيانية الوطنية، وهذا ما يفضي بنا إلى طرح الأمر من زاوية أخرى، وهي حتمية هدف الوصول إلى السلطة لإقامة الدولة الإسلامية في منهج الحركة الإسلامية لنسأل هل هي لازمة؟ وعلى افتراض لزومها وضرورتها هل هي مطلقة وغير قابلة للتقييد والاستثناء؟ وعلى افتراض الأمرين معًا أين يبقى الوطن بمعنى الكيان الذي يعبّر عن التقاء ومشاركة جماعة إنسانية لا يجمعها الدين الواحد والعقيدة الواحدة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة يوصلنا إلى المطلوب مباشرة، ففي نهاية المطاف أين هي المقاومة الإسلامية ومشروعها في ظل هذه الرؤى؟ وهل تنتمي بالضرورة إلى أحد هذه الفرضيات أو إلى رؤية خاصة؟ قبل عرض الإجابة ينبغي الإلفات إلى أمرين:
أ-
من حق أي حركة إسلامية أن تتبنّى أيًا من الفرضيات المذكورة، وليس هناك منطق إنساني أو فكري أو وطني ينفي هذا الحق ويسلبه إلا منطق الفرض المسبق، ومصادرة حرية الآخرين، وبناءً عليه فإن الموقف الهجومي الذي يتبنّاه البعض تجاه الإسلاميين لا يخلو من التجنّي، بينما يتمسّكون بحرية طرح أي مشروع سياسي آخر حتى ولو قام على رؤية واهية، معلّلين ذلك بالحق المشروع لأية جهة في أن تتبنّى ما تشاء. إن الواقع السياسي في عالمنا لا يخلو من هذه المصادرات التي تساهم بشكل أو بآخر في نمو التعصّب والتحجّر المستولَدَين من الإقصاء والقهر تحت عناوين شتى، وإن كنت لا أريد أن أسهب في مناقشة هذا الموضوع كي لا نخرج عن مسار النقاش، لكن الموقف المعادي تجاه الإسلاميين حينما يصلون إلى السلطة بالديمقراطية والانتخاب يخفي عداوة وهيمنة وتسلطًا فكريًا من المستوى الرفيع.
ب- المشروع السياسي لأية جهة سواء كانت حركة دينية، أو علمانية، أو قومية، أو وطنية، لا بدّ أن يخضع لضوابط وأطر ليكون واقعيًا، وبالتالي فإن رحابة الفكر الذي تنتمي إليه أية جهة لا يعني بالضرورة إسقاط المعتقدات والأفكار بكل مفرداتها وتفاصيلها على المشروع المتبنّى، فإذا كانت الحركة الإسلامية تنهل فكرها من ينبوع الدين، فلا يعني ذلك أنها على مستوى المشروع السياسي يجب أن تكون معنية بكل المفردات الدينية، بغض النظر عن الواقع المحدّد، فإن واقعية الطرح السياسي تنفي هذه الضرورة حتى على المستوى الفقهي.
بعد هذا نقول: إننا لا نسلّم بوجود هدف واحد لكل الحركات الإسلامية التي تختلف فيما بينها بالرؤى والاجتهادات والظروف التي تواجهها، وإن كانت تلتقي في العنوان العام والعريض الذي يعطيها الشرعية والانتماء، وهو ما اصطلح عليه “سبيل الله”، وهذا بالضبط موجود أيضًا على مستوى الحركات السياسية غير الدينية التي قد تلتقي في عناوين عامة وشعارات موحدّة، لكنها تختلف أحيانًا إلى حد التباين في مشاريعها.
إن هذه النظرة تدعونا إلى التمييز بين أمرَين يرجع كل منهما إلى مقولة خاصة:
الأولى: المقولة التي تجيب على سؤال “ماذا ترغب”: إن الجواب على هذا السؤال يحدّد التطلعات والغايات الكبرى للفرد وللمجموعات. فلو سألت الإسلاميين عن تطلعاتهم لأغدقوا عليك الإجابات المستخلصة من أصول القيم الدينية التي يتبنّونها وجذورِها، من قبيل إقامة دولة الحق وسيادة العدالة وفق الشريعة الإسلامية وأحكامها، وما شاكل من غايات وآمال بقيت هي الأكثر تداولًا في أدبيات الحركة الإسلامية في مرحلة النشوء وبداية التجربة، وهذا صحيح بذاته فيما لو تمّت ملاحظته بعيدًا عن أي واقع أو معطيات خارجية.
الثانية: المقولة التي تجيب على سؤال “ماذا تريد”: إن الجواب على هذا السؤال يحدد الأهداف الممكنة التي تسترشد بالغايات والقيم، لكنها تؤطّرها وتحددها في مشروع ديني وسياسي يأخذ بعين الاعتبار الواقع ومعطياته وتحدياته، والحركات الإسلامية ليست طوباوية إلى حد عدم القدرة على تشخيص المطلوب مع تبدّل الظروف والأوضاع المحيطة؛ أي ملاحظة المتغيّرات والخصوصيات الزمانية والمكانية، وهذه الحركات وإن بدت طامحة في قوة العقيدة، لكنها تملك وبنفس القوة القدرة على إنتاج اجتهادات وتجارب واقعية تحدّد من خلالها أهدافها.
إن مقولة “ماذا تريد” هي القادرة على تحديد المشروع السياسي الذي يجب أن يتطلع إليه كل باحث أو متابع، وعليه فلا يبقى صحيحًا أن نحاكم الحركات الإسلامية بنسق واحد، فنجري عليها أحكامًا مطلقة ومسبقة دون بذل الجهد لمعرفة الخصوصيات لكل واحدة منها، ولعل أحد أسباب الأحكام المطلقة من قبل البعض هو مقايسة ما يجري في العالم الإسلامي بما جرى قبل قرون في العالم الغربي – كما أسلفنا – حين تم إقصاء الدين عن مسرح الحياة السياسية، وهذه المقايسة خاطئة وغير سليمة؛ ذلك أن التمازج بين ما هو ديني وسياسي في الإسلام يفرض دينامية تجديدية محكومة بالتجارب والوقائع والتطور والتبدل، وتتأكّد هذه النظرة فيما لو دققنا ببعض تجارب التاريخ التي نستقي منها الرؤية والتجربة، وسأذكر مثلًا صارخًا وجليًا في مدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وهو التجربة الخالدة والرائعة لنهضة الإمام الحسين (ع)، حيث كان واضحًا أن الإمام (ع) في نهضته لم يكن يهدف الوصول إلى السلطة، لكنه من موقعه الديني ومسؤوليته الشرعية والسياسية، وبملاحظة الواقع السياسي المتردّي الذي وصلت إليه الأمة إلى حدّ الاستعصاء، كان يرى أن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا بالمقاومة والثورة حتى لو أدّت إلى الاستشهاد الذي كان يراه ماثلًا أمامه، فأين الهدف هنا؟ إنه تصحيح مسار الأمة حفاظًا على القيم والناس ومصالحهم من خلال صدم الواقع لتغييره بفعل التضحيات وتراكم النتائج، دون أن يكون التطلع إلى السلطة هو الهدف المباشر لمشروع الثورة والنهضة.
إن تاريخ أئمتنا الأطهار (ع) مليء بهذه الشواهد والمصاديق، وكان كل واحد منهم يحمل مشروعًا سياسيًا يرتكز على خلفية دينية واسعة وقوية، فلو دققنا النظر في التجربة السياسية لثامن الأئمة وهو الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، الذي كان وليًا للعهد أيام خلافة المأمون العباسي؛ وولاية العهد منصب سياسي كبير جدًا، وبغض النظر عن النقاش التاريخي في خلفية قبول الإمام (ع) لهذا المنصب، نجد أنه لم يسعَ من خلاله للوصول إلى الخلافة؛ ليس لأنه لم يعتقد أنه أحق بهذا الأمر، بل لأن الواقع السياسي والظروف التي كانت سائدة تفرض هدفًا آخر ومشروعًا مغايرًا.
في خلاصة الأمر فإن الخصوصية الواقعية تفرض مشروعًا محددًا يكتسي بكامل المشروعية الدينية، وهذا ما يوفّره الاجتهاد ويحظى بكل خصائص المشروع السياسي، وهذا ما يوفره الواقع السياسي وتتحدد من خلاله الأهداف والأدوات التي تؤطّر القيم الدينية في مرحلة التصدّي والممارسة، وهذا المعنى دقيق جدًا على مستوى المصداق والتطبيق ليكون متحرّكًا ومتغيّرًا دون المسّ بالأصول الشرعية وضوابطها، وهو الذي يفرضه الاجتهاد والاطلاع والتجربة، ليبقى الخاص مربوطًا بالعام دون الإطاحة بأي منهما، وهذا أحد أهم أبعاد نظرية ولاية الفقيه التي يتحدّث عنها البعض دون أن يدرك ماهيتها، أو يتحمّلَ عناء البحث عنها، فيخالها أحكامًا مطلقة تلغي الخصوصيات، دون أن يلتفت إلى أن الفقيه لا يمكنه أن يتجاوز أية خصوصية في تحديد المسارات العامة والكلية.
من خلال ما ذكر يتضح أن المشروع الوطني الذي يتحدّد من وحي خصوصيات الوطن لا يتعارض بالضرورة مع الهوية الدينية، فإذا كانت الخصوصية التعددية في لبنان تفرض صيغة خاصة ونظامًا خاصًا، فإن الانتماء الديني يقرّ مشروعًا سياسيًا تحت سقف هذه الخصوصية، لتكون المصلحة العامة التي يوفر تشخيصها الاجتهاد هي عين حكم الشريعة ومراداتها.
إن الخلط الذي وقع به البعض عن قصد أو غير قصد هو أحد أهم أسباب الالتباسات التي يراد لها أن تطوق الرؤية الوطنية لحزب الله، ونحن إذ نقدّر أن عدم معرفة البعض بالخلفية الفقهية التي يستند إليها حزب الله تؤدي إلى مثل هذه الالتباسات، لكننا لا يمكن أن نبرئ كل ما هو مطروح عن الخلفيات السياسية؛ ذلك أنه من حق أي باحث أن يناقش الخلفية الدينية، وهذا أمر مستساغ وجيد ومقبول في الإطار المعرفي والنظري؛ لأن الفقه السياسي الذي نعتمده ليس حكرًا علينا، وروحه في رأينا تقوم على تبادل الآراء وتطورها، لكن لا يصح بحال أن يحاكم المشروع السياسي بالوقوف عند حدود المناقشة الفكرية النظرية. فلو أردنا أن نبدي رأيًا بالمشروع الوطني لجهة سياسية علمانية، علينا أن نلاحق مفردات المشروع السياسي المطروح والمعمول به، ولا يفيدنا على الإطلاق أن نرفض العلمانية من موقعنا الديني في الوقت الذي يحق لنا أن لا نقبل الفكر العلماني، إن النمط الذي يتبعه البعض يقارب المحاكمة الفكرية من موقع الإسقاطات والأحكام المسبقة، ومصادرة حرية الرأي، وفرض نمط فكري سياسي يبدو أنه أصبح من سمات العولمة على الطريقة الأميركية في نشر الديموقراطية التي تتقن إطلاق الشعارات الرنانة (الحرية، حقوق الإنسان، الديموقراطية…)، لكنها تتوقف عن العمل إذا كانت في غير مصلحتهم. إن بعض الصخب في لبنان وفي المنطقة عمومًا يعتمد نفس المنهجية.
ومن الأمور الملفتة أن حزب الله الذي قبل بالطائف وصيغة العيش المشترك والاحتكام إلى قواعد الديموقراطية والانتخابات يواجَه من قبل البعض بمحاكمة النوايا والخلفيات والاتهامات، بينما خياره الوطني جليّ، وما أنجزه للوطن لا أظن أنه محل نقاش إلا عند المعاند الذي لا ينفع معه أي كلام آخر.
حزب الله ومشروع بناء الوطن
المشروع الوطني لحزب الله ينطلق من عدة حيثيات وأولويات اجتمعت وتجلّت في مشروع المقاومة والسعي لتحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن كافة وفق ما يلي:
1- الحيثية الإيمانية:
إن الإيمان بالله تعالى والالتزام العملي بتعاليم الإسلام وأحكامه في مختلف الأبعاد الفردية والعامة هو أصل حاكم في حزب الله، وهو محور كل الأعمال والمواقف والأهداف والأساليب التي يتبنّاها ويمارسها؛ ذلك أن الإيمان ليس عقيدة مجرّدة تقتصر على الشأن الفردي وأداء الفرائض والعبادات، بل هو منهج حياة متكامل يؤثر في كل مناحي الحياة والعلاقات مع الآخرين، سواء كانوا منتمين إلى نفس الدين أو لا، وهذا الإيمان يفرض منحًى إيجابيًا تواصليًا مع مختلف الأفكار والمعتقدات وأهل الملل والنحل كافةً، والفكر الديني الذي يؤمن به حزب الله يستلهم تطلعاته من حركة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، وهم الذين اجتمعت كلمتهم على احترام الإنسان وتقديره والعمل من أجل هدايته إلى المعرفة والإيمان، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[10]؛ وهذا المعنى لا يتحقق إلا ببناء مجتمع قوامه الأخلاق والفضيلة والمحبة والرحمة والتواصل والتواصي بالحق، وبالتالي فإن الإيمان يدعو إلى الالتقاء مع الآخر واحترامه أيًا كان معتقده وينبذ التفرقة والعداوة بين أبناء البشر، وتجارب الأنبياء (ع) مليئة بهذه القيم التي تعمل وتحض على الجمع سواء في إطار المبدأ الواحد أو الكلمة السواء، ومن جملة ما يدعو إليه هذا الإيمان هو محورية التقوى كمعيار تفاضلي له آثار جليلة في حياة الفرد والمجتمع، وبالتالي إنكار التعصّب والتقوقع في الأطر الضيقة التي تخترعها المصالح وتبتكرها الرغبات والنوازع.
إن الإيمان بالله – في نظرنا – لا ينفي الخصوصيات، وهي محل تقدير كما أشرنا سابقًا، بل هو يثيرها ويملؤها بقيم الخير والعدل، وهو حتمًا غير الطائفية التي هي أقرب إلى مفهوم الجماعة الخاصة والقبيلة والعشيرة في خلفيتها وفي كل ما يترتب عليها من أحكام ومواقف؛ فالدين يحكم بالعدل والطائفية لا تقره دائمًا، والدين يمدّ حبل التواصل مع أتباع كل الديانات الأخرى من موقع التقدير والاحترام، والطائفية عقلية إقصائية حدودها المصالح الخاصة، وهي مقدّمة على كل شيء آخر، والدين ينفي العصبية الظالمة ويدعو إلى العقل والمنطق والإنصاف والتنازل من أجل المصلحة العامة، بينما الطائفية تجنح إلى الغريزة وإثارتها والى الخوف والقلق بما يساهم في نمو عقلية الاستئثار وعدم الاكتراث بالآخر ومصالحة وحقوقه، فإذا كان لبنان محكومًا بالتعددية الطائفية والمذهبية وهي تستبطن في ذاتها منشأ الافتراق والاختلاف وتوليد الأزمات، فإن الحل لا يكمن بالمزيد من الإطار الطائفي، بل باقتحام هذا الإطار – إذا كان إلغاؤه صعبًا – وإغراقه فيما هو أوسع وأشمل وأرحب، وهو الإيمان الذي يلطّف الانتماء الطائفي ويسحب منه عوامل التهديد المستمر.
ولذا فإننا لو فحصنا في تاريخ لبنان والحروب التي نشبت فيه وما ارتكب فيها من مجازر وشنائع وتغييرات ديموغرافية ومحاولات إقصائية لطوائف وجماعات سياسية، لوجدنا في كل هذه التجارب أن العلماء وأهل الإيمان عمومًا نزّهوا أنفسهم عن كل هذه الارتكابات، وكانوا دائمًا دعاة وفاق ومحبة ووئام، ورفضوا المشاركة في مشاريع سياسية وحروب إلغائية هدّامة؛ ذلك أن الدين فيه قوة دفع نحو الآخر، وفيه قوة منع من الانزلاق والمشاركة في الظلم، وأكثر من ذلك نجد هؤلاء المصلحين قد تلقوا الأذى والاتهام من قبل سياسيين وزعامات وأصحاب مطامع برّروا لأنفسهم تجاوز المحاذير حفاظًا على امتيازاتهم وزعاماتهم وطوائفهم، وليس بعيدًا عنا تجربة الإمام السيد موسى الصدر الذي عمل المستحيل من أجل منع الحرب الأهلية، وتعرّض لمضايقات يفترض أن تكشف في يوم من الأيام من قبل من ساهموا بخراب الوطن وتفتيته تحت عناوين وطنية تخبئ مشاريع سلطوية.
إن الإيمان في نظرنا هو عنصر قوة في لبنان يعكس الحضارات والتعددية الدينية والثقافية، ويحافظ عليها، بينما الذهنية الطائفية أثبتت فشلها وخطرها على الكيان.
هذه الرؤية جعلت من حزب الله تيارًا عقائديًا في خدمة الوطن وقيمه وحضارته وتعدديته، وأمدّته بفكر وتجربة قوامهما محاولة التماثل مع تجارب المصلحين والصالحين، وأعطته القدرة على التواصل مع الآخر دون أي انتقاص منه ومن حقوقه، فتجاوز حدود النظرة الطائفية إلا بمقدار ما يفرضه الدستور كوثيقة جامعة ومشتركة بين كل اللبنانيين، وأحيانا كان يتخلى عن حقوقه الخاصة والمشروعة بالمنطق اللبناني لمصلحة الكيان ووحدة الوطن. إن الموقع الإيماني هو الذي يدعو إلى إقامة الوحدة الإسلامية دون استهداف للشريك المسيحي، وهو الذي يدعو إلى الوحدة الوطنية مع كافة الشركاء دون الدخول أو المشاركة في أي مشروع عزل أو إقصاء لأي فريق آخر، والموقع الإيماني فرض أخلاقية خاصة في الممارسة السياسية ربما لم يستسغها التقليد السياسي في لبنان، سواء لجهة التحالفات التي يبرمها مع الآخرين أو لجهة التنازلات التي يقدّمها من أجل المصلحة الوطنية. ونحن نعتقد أن حزب الله قدّم نموذجًا راقيًا في ممارسته وأخلاقياته، وهذا النموذج يحتاجه لبنان في الثقافة والسياسة معًا. وقد تجلت هذه الممارسة بأرفع مصاديقها وأبهى صورها بعد الانتصار التاريخي الذي حققته المقاومة على العدو الإسرائيلي في أيار سنة 2000 فتعاطت برحمة وتسامح وانضباط أذهل الجميع، وهذا أحد أهم التعبيرات الحية والصادقة عن قيمة الإيمان وأهميتها في بناء الوطن، وهذا ما عجزت عنه معظم مقاومات العالم.
وقد يتفاجأ البعض إن قلت: إن هذه الحيثية الإيمانية كانت العامل الأساس في انطلاق مقاومة حزب الله واستمرارها وثباتها وقدرتها على التحمّل؛ ذلك أن الدفاع عن الوطن بوجه المحتل والعدو وأطماعه لم يعد وظيفة وطنية فحسب، بل هو امتثال لواجب ديني لا يترك بحال.
2- الحيثية السياسية:
أ- المقاومة أساس بناء الوطن:
إن ظروف النشأة لحزب الله كحركة مقاومة للعدو الإسرائيلي الذي كان يحتل العاصمة ومساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية، فرضت تحدّيًا خاصًا ترك أثره البالغ في الدور والممارسة ومشروع المقاومة الذي أخذ الحيّز الأكبر من عمل حزب الله وما زال، ولم يكن ناتجًا عن ردة فعل فقط، بل كان تعبيرًا عن ثقافة ورؤية سياسية ووطنية اختزنت في وعي قيادة حزب الله وشبابه، واكتملت فصولها وتأكّدت مع التجربة بكل مراحلها؛ ذلك أن الوطن في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي كان ممزقًا ومنهكًا بفعل الاحتلال والحرب الأهلية التي سبقته، وكان يراد سوقه سياسيًا ليلتحق بركب مشروع الاستسلام المذل الذي بدأ في كامب ديفيد، لينتج اتفاق 17 أيار المشؤوم معلنًا خضوعه الكامل للمصالح الإسرائيلية وفق الرؤية الأميركية في المنطقة، وبالتالي كان علينا أن نتخيل التركيبة الجديدة للنظام السياسي في لبنان، والتي هي أبعد ما تكون من مفهوم السيادة والاستقلال، وحينها سينتهي الوطن والكيان.
إن التجربة التي خاضتها المقاومة الإسلامية بكل مراحلها مع ما فيها من تضحيات ومرارات وانتصارات فريدة كانت تصب في خدمة رؤية سياسية وطنية، مفادها أنه لا يمكن أن نحلم ببناء وطن على هذه الأرض الصغيرة الحجم في منطقة الشرق الأوسط بمحاذاة العدو الإسرائيلي المغتصب لفلسطين، دون أن نحافظ على قرارنا الحر بعيدًا عن التهديدات الإسرائيلية المتكررة وتأثير سياسات العدو على القرار السياسي اللبناني، هذا هو محور المفهوم السيادي، وأي نقاش سياسي آخر يبقى في نظرنا ثانويًا؛ لأنه دون التحرر من عبء التهديد الإسرائيلي ومشاريعه سيكون لبنان محكومًا لمشاريع الخارج التي ستضغط على واقعه، مستفيدين من عناصر الضعف الذاتي، وهو الوجه الآخر للطائفية والتعددية. والتجارب أثبتت أن حلول الأزمات في ظل التجاذبات الخارجية ستنتج تسويات ارتضاها اللبنانيون هربًا من الجحيم الذي يلاحقهم كل عقد أو عقدَين، وعليه فلن يحصل اللبنانيون على وطن ينعم بعناصر الوجود والاستقرار.
حزب الله يعتبر أن لبنان القوي هو الذي يحقق السيادة ويدفع الاحتلال ويهزمه، كما أثبتت تجربة المقاومة، ويجعل لبنان بمنأى عن التهديدات من خلال استراتيجية دفاعية تتكسّر عليها مشاريع العدو وأطماعه، وهذه هي خلاصة الإصرار على المقاومة والتمسّك بها؛ ذلك أن وظيفة المقاومة لم تكن في يوم من الأيام إلا من أجل التحرير وتحقيق هذه القوة والمناعة، كما أن تجربة أكثر من ربع قرن في المقاومة اللبنانية والوطنية كفيلة بإثبات جدوائية هذا الخيار مع ما فيه من أكلاف، لكنها تبقى يسيرة أمام قضية الحصول على السيادة والاستقلال، بينما التجارب الأخرى لم تحافظ على السيادة والاستقلال، وخسرت الأرض وساهمت في جعل لبنان ساحة تنتهشها حروب الآخرين عليها.
إن سياسة دس الرأس في التراب والتغافل عن الوضعية الجيوسياسية التي وجد فيها وطننا لا تحقق لنا وطنًا ولا تبني لنا حتى شبه وطن.
وإن الواقعية السياسية تفرض، في نظرنا، هذه الرؤية المقاومة وتحمّلنا مسؤولية كبيرة لا يجوز التهرّب منها تحت أية ذريعة، فإذا كانت الواقعية السياسية تفرض تدويرًا للزوايا في حل المعضلات السياسية الكبيرة الداخلية، فإنها في قضية الاستقلال والسيادة لا تتحمّل التجزئة على الإطلاق، وهذا هو العامود الفقري في بناء الوطن. ولذا فإن خلافنا مع البعض اليوم هو خلاف جوهري، فإنهم إذ يرفعون شعار السيادة لم يتمكّنوا من تقديم رؤية واقعية تقنعنا بفرصة بناء وطن عزيز وحر ومستقل وقادر على مواجهة العدو الإسرائيلي وأطماعه، وإن أقصى ما يذهب إليه هؤلاء هو الحديث عن الحياد؛ أي إن لبنان لا يواجه ولا يستسلم ويُخرج نفسه من دائرة الصراع الموجود في المنطقة، وهذا الكلام قديم عليل لأنه لم يعالج أصل المشكلة، حيث اعتبر أن المشكلة في موقف لبنان، فحين يُغيّر لبنان اتجاهه السياسي فإنه سيرتاح، وهذا خطأ، إذ إن المشكلة استراتيجيًا في الكيان الصهيوني ومشاريعه وتاريخه وتجاربه، وهو ما زال إلى الآن يحتل قسمًا من الأرض ويمنع لبنان من الاستفادة من مياهه بالشكل الصحيح، مضافًا إلى أن تجارب التحييد والرهان على المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن لم تورّث وطننا إلا الضعف والوعود التي لم تصرف، وإن أي رهان من هذا القبيل لن يجد طريقًا لإقناع الذين ضاعت أراضيهم وأخرجوا منها لسنوات وشرّدوا على أعين العالم ولم يستمع أحد إلى شكواهم، ومشاهد فلسطين المتكرّرة أمام أعينهم، والاختلال في موازين القوى العالمية، والانحياز المطلق للكيان الإسرائيلي، وهذه كلها عناصر كافية لاعتبار أن ترك المجرِّب قوتَه وهو المقاومة على أمل الحصول على الوعد بصفقة وهو مجرَّب أيضًا أمر لا يذهب إليه عاقل.
وقد يعتبر البعض أن ما تدعو إليه المقاومة وإن كان مقنعًا لجهة المنطق والتجربة والحق، لكنه مكلّف وحمله كبير وعبؤه ثقيل على الوطن واللبنانيين، وهذا ما لا نسلّم به؛ لأن الأكلاف والأثمان التي دفعها لبنان في السابق كبيرة جدًا، وجلّها من آثار ونتائج الاستراتيجيات الخاطئة التي لم تدمج اللبنانيين في مفهوم سيادي – وطني واحد، وتركتهم في مهب سياسات الآخرين، هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإن ما تتحدث عنه المقاومة ليس جديدًا وتأسيسيًا، بل هي في المراحل الأخيرة من إنجازه؛ لأن معظم التضحيات التي يحتاجها هذا الخيار قد بُذلت، وها هو العدو يواجه في قبال لبنان ومقاومته مآزق استراتيجية لم يعهدها في السابق، ومن نتائج هذه المآزق الاستراتيجية أن الإسرائيلي أصبح يحسب للبنان ألف حساب، فلماذا يسعى البعض الآن لإعطائه فرصة الانقضاض من جديد، وهو بدأ يسلّم بنتائج المعادلة التي فرضها لبنان بمقاومته وشعبه. لذا نحن نعتقد أننا أمام فرصة حقيقية لبناء وطن عزيز ومقتدر تأسيسًا على إنجازات المقاومة والمعادلات التي فرضتها على العدو الإسرائيلي.
وهنا اسمحو لي أن أنقل الكلام إلى الذين يشكّكون في وطنية المقاومة ويطالبونها بمشروع بناء الوطن، وهم لا يجدون غضاضة في بناء منظومات مصالحهم الطائفية والاقتصادية على أرضية التهاون بمبدأ الاستقلال والسيادة، فهم المطالبون بإثبات جدّيتهم بقضية بناء الوطن، فما هي قيمة كل المكتسبات التي يحصلون عليها إذا كانت خالية من عبق الحرية والقرار المستقل؟ وما هي قيمة الوطن إذا كان ذليلًا ومستسلمًا للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة؟ وما هي قيمة كل الادعاءات التي لم ترق إلى مستوى الإحساس والشعور والتضامن مع أبناء الوطن الذين يُعتدى عليهم ويهدّدون كل يوم، بالنسبة إلينا الوطن هو قيمة دينية وإنسانية لا يجوز التفريط فيها على أي حال، وليست خاضعة لأية مساومة وتستحق كل التضحيات مهما غلت، ولهؤلاء نقول: لولا المقاومة لما كان بالإمكان أن يتحدث أحد عن وطن أساسًا. فهل كان بقي لنا وطن دون مقاومة؟ أم كنا سنبقى رازحين جميعًا تحت الاحتلال وظلمه وسياساته، والله وحده تعالى يعلم أين وفي مهب أي ريح كان سيقف لبنان؟ ثم بعد هذا هل يصح أن يصدر تشكيك من أحد عن دور المقاومة في بناء الوطن؟
نعم إنه التجنّي، وإنها الوظيفة التي تفرض علينا أن نتحمّل بصدورنا من أجل الوطن وعزته، ونحن ندرك تمامًا أن نجاعة هذه الرؤية هي التي جعلت الولايات المتحدة الأميركية تصب كل جهودها لإنهاء المقاومة وتطويقها، لذا دعمت الحروب المتتالية عليها وعلى اللبنانيين، ومارست الضغوط السياسية غير المسبوقة، وشنّت أشنع حملات التضليل والافتراء، ووصمت المقاومة بالإرهاب، وتشدّدت في استهداف كل من يؤيدها.
كل ذلك يدل بوضوح على أن لبنان وبفضل المقاومة يشق طريقه النموذجي والاستثنائي نحو الاستقلال الناجز بعيدًا عن الاستراتيجيات الأميركية للبنان والمنطقة، وهذا لم يكن مسموحًا به في الماضي لكنه مفروض عليهم الآن، ولذا فإن المقاومة لم تستغرب أبدًا هذه المحاولات الجائرة سواء جاءت من الداخل اللبناني أو المحيط العربي أو بعض دول العالم، فإنها كلها تنهل من مصدر واحد وتستخدم الأساليب نفسها؛ لأنه ممنوع على أحد أن يتفلت من الأطر والمعادلات التي رُسمت لوطننا ولمنطقتنا عمومًا.
ب- الشراكة والمساواة أساس المواطنة:
حزب الله الذي قام أساسًا على مشروع المقاومة كان من الطبيعي أن يصرف جل اهتمامه في العمل المقاوم، وأن يركّز على هذه الأولوية في أدبياته ومواقفه، إلا أنه وتحديدًا في السنوات الأخيرة أصبح معنيًا بكل مفردات الواقع السياسي الداخلي لأسباب كثيرة ليس الآن مجال ذكرها، وكما في المقاومة، فكذلك في الوضع السياسي الداخلي بنى حزب الله مشروعه وفق رؤية وطنية مستوحاة من انتمائه الديني ومن فهم الخصوصية اللبنانية جيدًا، على قاعدة أن مدماك بناء الدولة هو العدالة والدستور وتوفير فرص المشاركة في بناء الوطن بالتساوي بين جميع أبنائه، وقد لاحظ حزب الله بدقة تجربة ما قبل تأسيس الكيان وما بعده، ليضع إصبعه على مكمن القوة والخطر في آن، فوجد أن التعددية إذا أُحسن ربطها بالديانات والحضارة فهي مصدر غنى وقوة، واذا أسيء ربطها بالذهنية الطائفية الغرائزية تنقلب إلى مصدر خطر حقيقي يهدّد الكيان برمته ويحوّله إلى كيانات تنشأ فيها البغضاء والتنافر، فلا يبقى وطن جامع لكل أبنائه.
ثم إن الخلفية الدينية التي يستند إليها حزب الله جعلته يولي أهمية خاصة لقيم الأخلاق والكرامة الإنسانية لتكون أساسًا في صياغة مفهوم الدولة، وكل ما يترتب على ذلك من ممارسة سياسية خلاقة وفريدة في هذا الشرق، وقد استفاد من رؤية وفهم وتجربة الإمام السيد موسى الصدر كمُلهم لتجربة راقية انبعثت من الدين وقيمه وشكّلت حلًا نموذجيًا للتطلع نحو بناء وطن قوي وعادل في ظل هذه التعددية وما يمكن أن تنتجه، ولذا اعتبر حزب الله أن الشراكة الوطنية والعيش المشترك هما أساس بناء وطن معافى يجذب شبابه وطاقاته على مختلف انتماءاتهم الطائفية والسياسية تحت سقف الدستور الذي يشكل صيغة العقد الاجتماعي والسياسي الملزم للجميع. ونتيجة هذه الرؤية لم يؤمن حزب الله في يوم من الأيام بسياسة الإقصاء أو العزل أو الاستئثار، ولم يكن شريكًا في أية ممارسة من هذا القبيل، ونأى بنفسه عن الحروب الداخلية؛ لأنها لا تخدم هدف بناء الوطن الواحد، بل تزرع بذور الانشقاق والتفتت. وإن الممارسة التي قدّمها حزب الله في السنوات الأخيرة عكست هذه الرؤية ومدى قدرة التحمّل والصبر وعدم الانجرار مع كل مقتضيات الانزلاق والدعوات إلى الفتنة التي كان يسارع البعض إليها؛ ذلك أن الحرب الأهلية خط أحمر ليس لها مبرّر على الإطلاق وفي أي حال، بل إن البعض استغل هذه النقطة واعتبرها نقطة ضعف استثمرها إلى آخر مدى، وبالنسبة إلينا كانت تعبيرًا صادقًا عن أخلاقيات الممارسة السياسة وصدقية الالتزام بأولوية الحفاظ على الوطن.
ولأن حزب الله يعرف الواقع السياسي اللبناني جيدًا انفتح على كل الجهات السياسية الأخرى مهما كان الاختلاف معها في الرأي، واعتقد بحق الآخر أن يتبنّى وجهة النظر التي يقتنع بها، فأبدى جهوزية كاملة للحوار والتواصل مع كافة شرائح المجتمع اللبناني وتوجهاته السياسية وطوائفه، على قاعدة الاتفاق حيث أمكن وإدارة الاختلاف حيث استحكم، وارتضى الديموقراطية والدستور والطائف حكمًا بين اللبنانيين، وفي الوقت نفسه عمل بشكل قوي وفاعل على مواجهة كل المحاولات السياسية التي أرادت أن تربط مصير لبنان السياسي بقوى التسلط والهيمنة في المنطقة.
إن الدولة التي يؤمن بها حزب الله ويسعى لتحقيقها هي القائمة على تأمين المشاركة الفعلية التي كفلها الدستور على نحو المساواة بين جميع أبناء الوطن، والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هي تكريس نظام انتخابي تمثيلي دائم لا يخضع للظروف والتطورات التي تعطي فرصًا متفاوتة للمناداة في كل دورة إنتخابية بقانون يؤمّن مكاسب وامتيازات تُبنى على دعم سياسي خارجي متقلب بين مرحلة وأخرى حسب النفوذ المؤقت؛ ذلك أن هذه العقلية التي يدور في فلكها بعض الزعامات الطائفية هي المانع الأساسي والعائق الفعلي لممارسة سياسية صحيحة، وهي المنتج الدائم لأداء سياسي خاطئ يشعر الأجيال الصاعدة والطاقات الواعدة بالغبن واليأس وعدم الاطمئنان للمستقبل السياسي الذي لا يقبل التغيير، ويقتل الطموح والتطلع لحلم بناء وطن كبقية الأوطان، ونحن نعتقد أن ثبات النظام الانتخابي يعطي فرصة حقيقية وغير مصطنعة لتداول السلطة كما هو السائد في الدول المتحضّرة، وأن التذرع بالخصوصية الطائفية بات يخفي وراءه الكثير من الأسئلة والشكوك التي تحتاج إلى جلاء، كما أن الانكباب على إيجاد نظام انتخابي يحاكي الخصوصيات ليس أمرًا مستحيلًا فيما لو كانت الخلفيات صافية للانتقال بالوطن إلى مفهوم الدولة الحديثة التي يقابلها عقلية العشيرة والمجموعة الخاصة؛ ذلك أنه يستحيل أن نجد قانونًا انتخابيًا ثابتًا يكرّس زعامة شخص بشكل دائم. وإن الحديث عن دويلات داخل الدولة، في اعتقادنا، هو في معظمه من أجل تغطية هذه الممارسة الفاضحة من قبل البعض الذي لم يثبت ولو مرة واحدة ضمن الفرص الكثيرة التي حصل عليها في السلطة أنه جاهز للتخلي عن مشروعه الخاص. فهل بإمكان أحد أن يقنعنا اليوم أن من أمسك بالسلطة خارج السياق التاريخي والدستوري والعرفي للبنان يمكن أن يفعل ذلك دون الاستقواء سياسيًا وماليًا بدول إقليمية أو دولية؟ فما الذي تغير بعد الطائف عما قبله سوى الوجوه والجهات التي تعاقبت على نفس الأدوار بأساليب مختلفة بحسب الظروف تبعًا لاختلافها.
إن الآثار السيئة لهذه الذهنية الفاسدة سياسيًا ترتب أعباءً كبيرة على المواطن وتحديدًا على الفقراء الذين يعتبر حزب الله أن مسؤوليته الدينية والوطنية والأخلاقية مناصرتهم، وحمل قضاياهم ليعيشوا الحد الأدنى من الإنصاف على مستوى الحصول على حقوقهم الأساسية في التعليم وفرص العمل وإيجاد المسكن ومعالجة الوضع الصحي وإلى ما هنالك من عناوين لازمة لا يجوز تفويتها أو تأجيلها في الانتماء الوطني الفعلي.
إن المؤشر الذي يعطيه حوالي خمسة وأربعين مليار دولار ترتبت دينًا على لبنان بعد الطائف هو علامة خطيرة تصل إلى حد العقم والتجمد في العقلية السائدة والفاسدة، وهذا ما جعل حزب الله في الأداء السياسي وفي البرامج التي يعتمدها يولي قضية الفساد الإداري أهمية خاصة للوصول إلى مقاربة فعلية للمشكلة الاقتصادية الاجتماعية، وجعله يلح في طرح إشكالية الممارسة عند كثير من أبناء الطبقة السياسية الحاكمة، حتى أعلن أكثر من مرة شكه واتهامه للبعض أنه فعلًا لا يريد بناء الدولة، بل يسعى لتكريس منطق المزرعة. هذه الاتهامات ليست جزافًا، وليست للدعاية السياسية والحملات الانتخابية؛ ذلك أن حزب الله لم يشعر في أي وقت بمشكلة استقطاب جماهيرية ليحتاج إلى خطابات محض دعائية، إنما الأمر بالنسبة إليه مسؤولية تجاه المواطن الذي يتأوّه ويتوجع ويعاني مرض الإهمال عشرات السنين، خاصة في مناطق الأرياف في الشمال والبقاع والجنوب والجبل، والتي لم يصبها لغاية الآن نعيم البرامج الحكومية، وبقيت رهينة نعمة البرامج الانتخابية وصناديق الاقتراع فقط.
إن الوقائع تدل بوضوح على ضعف الإرادة والقرار في مواجهة الفساد وإزالته، وهذا تحد جوهري يجد حزب الله نفسه في قلب المسؤولية فيه؛ ذلك أن الإنماء المتوازن ومحاربة الفساد الإداري والقضاء النزيه والعادل البعيد عن السياسة، وقوانين شبكة الحماية الاجتماعية، وبناء اقتصاد متين يصب في خدمة الفقراء والمحرومين، تُعتبر كلها أسسًا وشروطًا ضرورية تنضم إلى نظام سياسي يؤمّن الحقوق للمواطنين ويفرض واجبات بالتساوي، كل هذه الأمور عناصر أساسية في بناء وطن ينفي الغربة في الوطن ويخفف من الهجرة إلى خارجه، فالغربة والهجرة مشكلتان وأزمتان تاريخيتان تفتشان عن وطن يعالجهما.
إن الهوة الساحقة بين رفع الشعارات الوطنية والممارسة شكّلت عقدة كأداء في مفهوم الانتماء الوطني، وخلقت إشكالية غير بسيطة بين الوطن والمواطن، إذ إن التفاخر بالحرية – وهي ميزة لبنان – دون أن يترجم إلى قانون وممارسة يكرّسان ثقافة وطنية لا يكفي لوحده.
3- الحيثية التاريخية:
ينتمي حزب الله إلى بيئة تاريخية عانت المرارات وتجرعت الغصات المتكررة والخيبات المتتالية، وهي ترفع الصوت منادية بأبسط حقوقها الوطنية دون الاستجابة لمظلوميتها وخصوصياتها التي تولّدت من عاملَين أساسيَّين:
وجود الكيان الصهيوني بمحاذاة الحدود الجنوبية، ما جعل الجنوب اللبناني يتحمّل العبء الأكبر حين استقبل الجنوبيون إخوانهم الفلسطينيين المطرودين من أرضهم بكل شهامة وافتخار، وواجهوا الأطماع الإسرائيلية التي لم يخفها العدو يومًا، فكانت الاعتداءات اليومية والمجازر بحق أهالي القرى الحدودية، واقتطاع أجزاء غير قليلة من الأراضي التي أُعطي لاحتلال بعضها الشرعية الدولية والقانونية – بغير وجه حق – حتى غدا أهل الجنوب يعيشون التهديدات الدائمة والعالم يتفرج عليهم ولا يحرك أحدهم ساكنًا لإعادة حق سُلب، أو دفع عدوان حاصل، وكل السلطات الرسمية اللبنانية التي تعاقبت لم تقدّم لهم حلًا، وأحيانًا كثيرة كانت مهملة أو مقصّرة، وفي أحسن الأحوال كانت عاجزة، فشعر الجنوبيون وعلى مدى عقود متتالية أنهم متروكون لمصيرهم، وعليهم أن يتحمّلوا لوحدهم العبء للحفاظ على أرضهم وكرامتهم، ولذا انطلقت صرخات العلماء والقادة المخلصين المدوية للتحذير من مغبّة هذه السياسة على كل الوطن، وفي خطابات ورسائل ونداءات الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين (قده) ما يكفي ليدل على هذه الحقيقة، لكن دون أجوبة شافية.
فالهم السياسي للدولة المركزية كان في شأن آخر، والتدرّج الذي اعتمده الإمام السيد موسى الصدر في حمل هم الجنوب والدفاع عنه بدءًا من المطالبة، وصولًا إلى المقاومة المسلحة ودعوة الشباب الجنوبي لمواجهة العدو الإسرائيلي، كان المراد منه تحميل الجميع المسؤولية الوطنية في الدفاع عن الوطن، على اعتبار أن الجنوب جزء من الوطن، وليس ملحقًا به، حتى كانت الاجتياحات المتعاقبة بين سنة 1978 وسنة 1982، وما سبقهما من مظالم ومآسي وإهمال، حفرت كلها في ذاكرة أهل الجنوب، وكل الوطنيين الذين كانت قلوبهم تتفطر لما يجري على هذا الجزء العزيز من الوطن. إن قساوة هذه التجربة لم تدفع الجنوبيين نحو الانغلاق والتفلت من الالتزام الوطني، بل فجّرت فيهم طاقة المقاومة وأمدّتهم الثقافة الدينية الأصيلة بعناصر القوة والثبات والصبر دفاعًا عن الأرض والوطن، بينما كانت الخلافات السياسية تشتد في الداخل اللبناني على وقع هموم أخرى لتزيد من المصيبة وتعمق مأزق أهل الجنوب.
حين أقول: إن تجربة المقاومة فرصة ثمينة لتجذير مفهوم الانتماء الوطني وتوحيده عند كل اللبنانيين؛ فلأنها تجربة انبثقت من المعاناة ومن إرادة اللبنانيين أنفسهم، وتمكّنت من تحطيم المفاهيم السائدة والمعادلات الواهية التي كان يلجأ إليها ضعاف النفوس الذين ينشدون بناء وطن دون أن يتحمّلوا مسؤولية الحفاظ على سيادته أو التضحية لتحرير أرضه، فإذا كانت معظم دول العالم تفاخر بتضحياتها من أجل نيل الاستقلال وتعتبرها جزءًا حقيقيًا من ثقافتها وتاريخها وأمجادها، فإن ما قدّمته المقاومة للبنان لا يقل شأنًا عن كل نماذج العالم، بل إنها أضافت إليها جديدًا في مختلف الأبعاد الأخلاقية والسياسية والوطنية؛ لأن انتصاراتها اكتسبت فرادة من جهة إلحاق الهزيمة العسكرية بالجيش الإسرائيلي الذي كان يظن أنه لا يقهر، ولجهة صعوبة الظروف السياسية التي مرّت بها من ناحية الهيمنة الأميركية الأحادية على العالم.
إنه حق طبيعي للمقاومين في لبنان، ولأهل الجنوب تحديدًا، أن يعتزوا ويفتخروا بإنجازاتهم التاريخية، ومن حقهم أن ينعموا بثمار هذا العطاء الذي لم يريدوه يومًا أن يكون امتيازات ومكاسب في النظام السياسي للبنان الذي يعرفون جيدًا خصوصياته وطبيعته، فغاية ما يطلبونه هو الحفاظ على هذه التجربة وعناصر القوة فيها، دون التفريط فيها لحساب أي مصلحة سياسية داخلية أو خارجية، وعدم العودة إلى السالف من الأيام الغابرة؛ فالعدو الذي يئن من الهزيمة يجب أن يبقى خائفًا من لبنان وشعبه ومقاومته دون أن يغيب عن بال أحد أن جزءًا من الأرض ما زال محتلًا، وأن الاعتداءات ما زالت موجودة. فهل في هذه الأهداف ما هو خارج عن سياق الوطن وحفظه؟ والسؤال يعود مرة أخرى ليرتد على مطلقيه: هل يُحفظ الوطن دون قوة المقاومة؟
الحرمان والإقصاء المتعمّد الذي مورس بحق فئات عريضة وواسعة، حتى نما شعور وصل إلى حد القناعة أن البعض حين يتحدث عن لبنان والدولة فإنه لا يقصد مناطق محددة لم تصل إليها يد الإنماء والرعاية والاهتمام، ونتيجة هذه الممارسات الخاطئة نشأت أزمات اجتماعية واقتصادية أوجدتها الفوارق غير المبرّرة بالمنطق الوطني، والأنكى من ذلك أن هذه المناطق صنّفت أنها خارج القانون وتمّت معاقبتها وتهميشها فحرمت من فرص التعليم والتقدم والنمو، ونمت على ضفافها معادلات وزعامات وأعراف بعيدة كل البعد عن الخلفية الوطنية والإحساس بالمشاركة، وبعدئذ كان مصير هذه المناطق الجلد والاتهام والمحاسبة على أنها خارج مفهوم المواطنة، في الوقت الذي كانت شعارات هذه المناطق هي المطالبة بحقوقها الوطنية الطبيعية والتي هي حقوق ممنوحة لهم بفضل الانتماء الوطني، وليس بفضل أي زعيم أو حكومة، إن من أخطر ما واجهه لبنان في تلك المراحل وما يواجهه الآن هو عقلية المقايضة بين الولاء وحقوق المواطنة، فإن هذه العقلية هي النقيض التام لمشروع المواطنة.
إن الاستهتار الذي أبدته الطبقة الحاكمة في كل المراحل القاسية التي عاشتها بعض المناطق في لبنان كان كفيلًا بإشعال ثورات اجتماعية ومطلبية، لكن الوعي والحكمة والمسؤولية التي تحلى بها بعض روّاد الإصلاح وقادته، وعلى رأسهم الإمام السيد موسى الصدر، وجهت الحركة المطلبية للمحرومين في الإطار الوطني الناظم للعلاقة بين كل اللبنانيين على قاعدة المساواة وليس أكثر.
لقد نشأ حزب الله في هذه البيئة، ووجد في انتمائه الديني الدافع الكبير لحمل هذَين الهمَّين الكبيرَين من بداية الطريق، ليشق الطريق أمام تجربة استفادت من كل التجارب السابقة ومن الفكر النيّر للمخلصين الذين حملوا همّ قيام الوطن بكل تضحية وتفان، وهو يعرف من بداية الطريق أن التحدي كبير وصعب لكنه غير مستحيل.
ولذا فإن الأولوية التي ارتكز عليها حزب الله في بناء مشروع الوطن تقوم على هذَين المبدأَين: أولهما المقاومة والتأسيس على تجربتها لحماية لبنان وردع العدو الإسرائيلي. وثانيهما العدل والإنصاف والمساواة كخطَين عريضَين ومنهجَين واضحَين تحتاجهما الممارسة السياسية من أجل الحفاظ على الوطن والهوية الوطنية. ولهذا الغرض فإن حزب الله وجد نفسه معنيًا بكل ما يؤدي إلى ترسيخ هذَين المفهومَين بالتعاون مع كل المخلصين الذين يسعون لبناء وطن عزيز يرتكز على الواقعية والعلم والعدل في إطار الاحترام والتقدير لكل الخصوصيات.

[1]- انظر: ابن منظور، لسان العرب (قم: نشر أدب الحوزة، 1405هـ)، الجزء 13، الصفحة 451.
[2]- جميل صليبا، المعجم الفلسفي (بيروت: الشركة العالمية للكتاب، الطبعة 1)، الجزء 2، الصفحة 580
[3]- سورة سبأ، الآية 28.
[4]- سورة الحجرات، الآية 13.
[5]- محمد الريشهري، ميزان الحكمة (قم: دار الحديث، الطبعة 1)، الجزء 3، الصفحة 202.
[6]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار (بيروت: مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، 1983م)، الجزء 75، الصفحة 45.
[7]- عباس القمي، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار (قم: اسوه، الطبعة الأولى، 1414هـ)، الجزء 8، الصفحة 525.
[8]- الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح محمد عبد السلام هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964م)، الجزء 2، الصفحتان 386 و387.
[9]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة رقم 27.
[10]- سورة الإسراء، الآية 70.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى