غزة ولبنان … طفٌّ وطوفان

بقلم / الدكتور محمد الحافي
🔹 الظمأ والحصار.. سلاح العاجزين
في كربلاء، كان منع الماء عن خيام الحسين وعياله سلاحاً لكسر الإرادة وفرض الاستسلام. اليوم، يتكرر المشهد بحذافيره في غزة؛ حصار مطبق، تجويع ممنهج، وقطع لأبسط مقومات الحياة من ماء وغذاء ودواء.
الآلة العسكرية التي تعجز عن كسر إرادة المقاتلين في الميدان، تلجأ دائماً إلى معاقبة الأطفال والنساء والمدنيين. لكن، وكما لم يساوم الإمام الحسين (عليه السلام) على موقفه رغم عطش الرضيع وقسوة المشهد، يقف أهل غزة ولبنان اليوم بصمود أسطوري. إنهم يثبتون للعالم أن الجوع والدمار قد ينهشان الأجساد والمباني، لكنهما أعجز من أن يركعا النفوس الحرة التي ارتضت طريق الكرامة ورفضت الخضوع لشروط الظالم.
🔹 مقارعة الباطل.. انتصار الدم على السيف
في يوم عاشوراء، كانت الكفة العسكرية والعددية تميل بشكل ساحق لصالح جيش يزيد، لكن الكفة الأخلاقية والتاريخية كانت حسينية بامتياز. المشهد ذاته يتشكل الآن؛ ترسانة عسكرية تمتلك أعتى أسلحة التدمير، مدعومة بقوى استكبارية عالمية، تواجه فئة مؤمنة بقضيتها في أزقة غزة وتلال لبنان.
المقاوم هناك لا يقاتل بحسابات الربح والخسارة المادية المتداولة، بل ينطلق من يقين الحسين حين قال: “إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما”. هذا الثبات المنقطع النظير في وجه آلة القتل يحول كل دمار إلى حجة على العالم الصامت، وكل شهيد يرتقي إلى راية ترفع من عزيمة من خلفه، محققين بذلك المعادلة الحسينية الخالدة: انتصار الدم المظلوم على السيف الظالم.
🔹 بقاء المنهج ببذل المُهَج
القاعدة الذهبية التي أرساها الإمام الحسين (عليه السلام) بدمه هي أن القضايا الكبرى والمبادئ العظيمة لا تحيا بالكلمات والشعارات، بل بالدماء الزكية التي تُبذل في سبيلها.
المُهجة هي الروح وخلاصة القلب، وبذلها هو أعلى مراتب الجود. في غزة ولبنان، لا تُقدم التضحيات الجسام من منطلق العدمية أو اليأس، بل من وعي عميق بأن استمرارية خط المقاومة وحفظ الكرامة يتطلبان أثماناً باهظة. الشهداء والقادة الذين يرتقون في هذه المعركة هم ضمانة لبقاء القضية حية في وجدان الأجيال، تماماً كما خلد دم الحسين ثورة الطف إلى يومنا هذا. إنهم يكتبون بدمائهم وثيقة بقاء الأمة، ويحبطون مشاريع المحو والإلغاء والتطبيع مع الباطل.
التزاوج اليوم بين الطف كمنطلق عقائدي والطوفان كحراك ميداني يخلق معادلة لا يمكن هزيمتها. الطف علمنا كيف نقف بشرف في وجه الطغيان مهما بلغت قسوته، والطوفان أثبت أن هذا الدرس قد أثمر في غزة ولبنان. طالما أن هناك إرادة مستعدة لبذل المهج، فإن المنهج سيبقى، ومهما طال ليل الحصار والقتل، فإن فجر الانتصار آتٍ، لأن الدماء التي تستلهم من مدرسة النبوة طريقها، لا تعرف طريقاً للهزيمة.
{ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } المائدة:٥٦



