مقالات وبحوث

تَهَيكُل المُنَظَّماتِ العالَمِيَّةِ مُقابِلَ ثَباتِ المِحْوَرِ كَمُنَظَّمَةٍ بَديلَة

جعفر الزنكي – البصرة الفيحاء

٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة كشفت عن أزمة بنيوية تعاني منها المؤسسات الدولية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية. فقد أُنشئت تلك المؤسسات لتكون إطاراً ضامناً للعدالة الدولية، وحافظةً للسلم العالمي، ومرجعيةً لحل النزاعات بين الدول والشعوب. إلا أن الأحداث المتلاحقة أثبتت أن هذه المؤسسات باتت عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى هياكل شكلية تخضع لموازين القوى والنفوذ السياسي أكثر مما تخضع لمبادئ العدالة والقانون.

لقد بدت الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون المظلة الجامعة لشعوب العالم، في السنوات الأخيرة عاجزة عن وقف الحروب الكبرى أو منع الجرائم الجماعية أو حماية الشعوب المستضعفة. فحق النقض (الفيتو) الذي مُنح للدول الكبرى حوّل المنظمة عملياً إلى ساحة صراع بين القوى الدولية، وأفقد قراراتها القدرة على التنفيذ متى ما تعارضت مع مصالح تلك القوى. وأصبحت الجمعية العامة ومجلس الأمن في كثير من القضايا يكتفيان بإصدار بيانات الإدانة أو الدعوات إلى ضبط النفس، فيما تستمر المآسي الإنسانية على الأرض دون رادع حقيقي.

أما محكمة العدل الدولية في لاهاي، التي كان يُفترض أن تمثل الضمير القانوني للمجتمع الدولي، فقد واجهت هي الأخرى تحديات كبيرة في فرض قراراتها. فالأحكام والتوصيات الصادرة عنها تبقى في كثير من الأحيان رهينة الإرادة السياسية للدول النافذة، الأمر الذي أضعف ثقة الشعوب بقدرة القانون الدولي على حماية حقوقها. ومع أن المحكمة تمتلك رصيداً قانونياً مهماً، إلا أن افتقارها إلى أدوات التنفيذ جعلها تبدو في كثير من الملفات وكأنها مؤسسة تُشخّص المظالم دون أن تمتلك القدرة على رفعها.

وفي الإطار الإقليمي العربي، تبدو جامعة الدول العربية نموذجاً آخر للهيكلية المتآكلة. فمنذ تأسيسها وهي تعاني من ضعف آليات القرار وغياب الإرادة الموحدة بين أعضائها. وقد أخفقت الجامعة في معالجة كثير من الأزمات العربية الكبرى، سواء المتعلقة بالاحتلال أو الحروب الأهلية أو الانقسامات السياسية. وتحولت قممها وبياناتها في نظر كثير من المتابعين إلى مناسبات بروتوكولية لا تملك تأثيراً حقيقياً في مجريات الأحداث.

أمام هذا المشهد، برز ما يُعرف بمحور المقاومة بوصفه ظاهرة سياسية وأمنية مختلفة عن الأطر التقليدية. فعلى الرغم من أنه لا يمتلك ميثاقاً دولياً معترفاً به، ولا مؤسسات بيروقراطية ضخمة، ولا مقرات فخمة أو ميزانيات معلنة، إلا أنه استطاع خلال سنوات طويلة أن يحافظ على تماسكه النسبي وأن يحقق درجة من الثبات في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.

ويعود ذلك إلى أن المحور تأسس على مجموعة من الأهداف المشتركة الواضحة، وفي مقدمتها مواجهة الاحتلال والدفاع عن السيادة الوطنية ورفض الهيمنة الخارجية. كما أن مكوناته ترتبط بعوامل عقائدية وسياسية وأمنية جعلت مستوى التنسيق بينها أكثر فاعلية من كثير من المؤسسات الرسمية التي تعاني من التناقضات الداخلية.

لقد أثبتت التجارب أن قوة أي منظمة أو تجمع لا تقاس بحجم مبانيه أو عدد موظفيه أو كثافة اجتماعاته، بل بقدرته على تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها. ومن هذه الزاوية يرى أنصار المحور أن أداءه الميداني والسياسي منحه شرعية عملية تتجاوز كثيراً من الأطر الرسمية التي فقدت تأثيرها رغم امتلاكها الشرعية القانونية الدولية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن المحور بوصفه “منظمة بديلة” لا يعني أنه يستطيع أن يحل محل المؤسسات الدولية القائمة؛ فالعالم ما زال بحاجة إلى منظومات قانونية عالمية تنظم العلاقات بين الدول وتحفظ الأمن الجماعي. لكن ما تكشفه التجربة هو أن المؤسسات الدولية عندما تفقد قدرتها على تحقيق العدالة وحماية الشعوب، فإن قوى جديدة تنشأ تلقائياً لملء الفراغ الذي تتركه تلك المؤسسات.

إن المقارنة بين تهيكل المنظمات العالمية وثبات المحور ليست مجرد مقارنة بين مؤسسات وأطراف سياسية، بل هي مقارنة بين نموذجين مختلفين: نموذج يمتلك الشرعية القانونية لكنه يعاني من الشلل والعجز، ونموذج يمتلك القدرة على الفعل والتأثير لكنه يفتقر إلى الاعتراف الدولي الرسمي. وبين هذين النموذجين تتشكل ملامح مرحلة جديدة من النظام الدولي، مرحلة تتراجع فيها فعالية المؤسسات التقليدية وتبرز فيها التحالفات العقائدية والسياسية بوصفها أدوات أكثر حضوراً في صناعة الأحداث.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المستقبل: هل تستطيع المؤسسات الدولية إصلاح نفسها واستعادة دورها التاريخي، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة تتقدم فيها المحاور والتحالفات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى