حق المقاومة وسلاحها في مواجهة الاحتلال: بين المشروعية القانونية والضرورة الأخلاقية

بقلم / السيد محمد الحافي – فلسطين المحتلة
إن وجود الاحتلال يُمثل في جوهره اعتداءً صارخاً على إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وهو ما يجعل من “المقاومة” رد فعلٍ طبيعياً وحتمياً تتوارثه الأمم الحرة. لا يقتصر مفهوم المقاومة المسلحة على كونه غريزة بشرية لرفض الظلم فحسب، بل هو حق أصيل تدعمه الشرائع السماوية، والمواثيق الدولية، والمبادئ الأخلاقية. ومع ذلك، تبرز بين الحين والآخر أصوات تطالب بتجريد المقاومة من سلاحها، متذرعةً بأن هذا السلاح هو ما يجلب الدمار والخراب.
نستعرض في هذا المقال تفنيداً لهذه الادعاءات من خلال تسليط الضوء على الأبعاد الشرعية والقانونية والأخلاقية لسلاح المقاومة، والرد المنطقي على دعوات نزعه.
أولاً: مشروعية المقاومة وسلاحها
- الجانب القانوني (القانون الدولي)
لم يترك القانون الدولي حق الشعوب في الدفاع عن نفسها غامضاً، بل كفله عبر نصوص واضحة ومباشرة:
ميثاق الأمم المتحدة: تنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي للدول والشعوب في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا اعتدت قوة مسلحة عليها.
قرارات الجمعية العامة: أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات تؤكد حق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية في تقرير المصير، وقررت شرعية نضالها بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح (مثل القرار 3101، والقرار 3246).
اتفاقيات جنيف: اعتبر الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف (1977) أن النزاعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي تُصنف ضمن المنازعات المسلحة الدولية، مما يضفي شرعية قانونية على حملة السلاح من حركات التحرر الوطني. - الجانب الشرعي والديني
تتفق الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الشريعة الإسلامية، على أن دفع الصائل (المعتدي) واجب مقدس. الدفاع عن الأرض، والعِرض، والنفس، والمال ليس مجرد حق، بل هو فريضة. وقد أُقر مبدأ “رد العدوان بالمثل” كقاعدة أساسية لحفظ كرامة الإنسان ومنع استشراء الفساد في الأرض بسبب طغيان المعتدين. سلاح المقاومة في هذا السياق هو أداة لإحقاق الحق ودفع الباطل، والتخلي عنه في وجه المعتدي يُعد تفريطاً في الواجب الشرعي. - الجانب الأخلاقي
أخلاقياً، لا يمكن المساواة بين “عنف المُحتل” الذي يهدف إلى السلب والقهر، و”عنف المُقاوِم” الذي يهدف إلى التحرر والانعتاق. المقاومة المسلحة هي التعبير الأسمى عن رفض الاستعباد. الأخلاق الإنسانية تُجرم خضوع الضحية للجلاد، وتُعلي من شأن التضحية في سبيل الحرية. التنازل عن السلاح أمام احتلال غاشم يُعد خيانة لدماء الشهداء وللأجيال القادمة التي من حقها أن ترث وطناً حراً.
ثانياً: الرد على ذريعة “سلاح المقاومة يجلب الدمار”
إن المطالبة بسحب سلاح المقاومة بحجة تجنيب البلاد الدمار والويلات تعتمد على مغالطات منطقية وتاريخية خطيرة، يمكن الرد عليها عبر النقاط التالية
الاحتلال هو جذر الدمار، وليس المقاومة:
الدمار يبدأ لحظة وطء الاحتلال أرضاً ليست له. الاحتلال في حد ذاته هو أكبر عملية تدمير للبنية المجتمعية، والسياسية، والاقتصادية. تحميل المقاومة مسؤولية الخراب هو “قلب للحقائق” يبرئ الجلاد ويلوم الضحية على صراخها ومحاولتها الدفاع عن نفسها.
الاستسلام لا يجلب السلام، بل يجلب العبودية:
إن تسليم السلاح والخضوع للاحتلال لا يضمنان حياة آمنة وكريمة، بل يضمنان “سلام القبور” والرضوخ لإرادة المحتل واستغلاله الممنهج لمقدرات الشعوب. التاريخ يثبت أن الاحتلال لا ينسحب بالاستجداء والمفاوضات الخالية من أوراق القوة، بل ينسحب عندما تصبح تكلفة بقائه أعلى من تكلفة انسحابه، وهذا لا يتحقق إلا بقوة السلاح.
تجارب الشعوب الحرة:
لم تتحرر أي أمة في التاريخ الحديث دون دفع ضريبة باهظة من الدماء والدمار.
الجزائر: قدمت أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، وتعرضت قراها للإبادة، ولم يقل أحد إن سلاح جبهة التحرير الوطني هو سبب الدمار، بل كان سبب الاستقلال.
فيتنام: دُمرت بالكامل بقنابل النابالم الأمريكية، لكن المقاومة الفيتنامية لم تستسلم، وفي النهاية رحل المحتل.
أوروبا: هل طالبت الشعوب الأوروبية المقاومة الفرنسية أو البولندية بإلقاء السلاح أمام الغزو النازي لتجنب تدمير مدنهم؟ بل اعتبروا المقاومة شرفاً والمساومة خيانة.
فقدان قوة الردع:
في عالم تحكمه لغة القوة والمصالح، يُعد السلاح هو الضامن الوحيد لمنع المحتل من التمادي في جرائمه. تجريد المقاومة من سلاحها يعني إعطاء المحتل صكاً مفتوحاً لتهويد الأرض، وسرقة الموارد، وإذلال المواطنين دون أي رادع.
إن سلاح المقاومة في ظل وجود الاحتلال ليس ترفاً، ولا خياراً عبثياً، بل هو ضرورة وجودية تستمد شرعيتها من قوانين الأرض والسماء ومكارم الأخلاق.
أما دعوات نزع السلاح تحت ذريعة تفادي الدمار، فهي دعوات تتجاهل حقيقة أن تكلفة العبودية أبهظ بكثير من تكلفة الحرية. إن السلام الحقيقي العادل لا يُبنى على أنقاض الكرامة المسلوبة والاستسلام التام، بل يُنتزع بقوة الحق المدعوم بحق القوة.
وللحرية الحمراء باب…بكل يد مضرجة يدق



