ما وراء الصخب: كيف نعيد توجيه البوصلة في ليلة رأس السنة؟
جعفر الزنكي ٢٨/١٢/٢٠٢٥ – ٦ رجب ١٤٤٧
في نهاية كل عام ميلادي، ينقسم الشارع الإسلامي إلى معسكرين: الأول ينخرط في مظاهر الاحتفال الصاخبة، والثاني يتفرغ لشن حملات مضادة وتوعوية. والمفارقة هنا هي أن “المعارض” الذي يبذل طاقة هائلة في ملاحقة تفاصيل المناسبة ونقدها، يساهم دون قصد في جعلها “محوراً” لحياته في تلك الليلة، تماماً كما فعل المحتفل، وكأنَّ الوقت لا يكتسب قيمته إلا من خلال هذه المناسبة.
فخ التفاعل العكسي
إن الانشغال الشديد بالمعارضة والترويج لـ “فعاليات مغايرة” في ذات التوقيت، هو اعتراف ضمني بأن هذا التاريخ يفرض سلطته علينا. هذا النوع من “الترويج العكسي” يستنزف الطاقة الإيمانية التي كان أولى بها أن تُصرف في مواسم الطاعات الحقيقية التي نصت عليها الشريعة، والتي تمر أحياناً دون أن نوليها عُشر هذا الاهتمام.
استعادة الهوية: الأيام المنصوص عليها أولى
بدلاً من الغرق في جدل “ليلة رأس السنة”، يجدر بنا كأمة ذات عمق حضاري وتشريعي أن نلتفت إلى الأيام التي عظمها الله ورسوله. إن تعظيم يوم عرفة، وعشر ذي الحجة، وأيام التشريق، وليالي رجب وشعبان العشر الأواخر من شهر رمضان، ليس مجرد واجب ديني، بل هو فعل استقلال روحي وفكري.
- القيمة مقابل الشكل: في الأيام العبادية المنصوص عليها، نحن نتحرك وفق أمر إلهي ووعد بالثواب، بينما في “رد الفعل” على رأس السنة، نحن نتحرك وفق أجندة زمنية لم نضعها نحن.
- السكينة مقابل الضجيج: تمتاز المواسم الإيمانية بالسكينة والاتصال بالخالق، بينما يتسم التفاعل مع رأس السنة (احتفالاً أو اعتراضاً) بالتوتر والمشاحنات الاجتماعية.
المنهج البديل: التجاهل الواعي والاستثمار الحقيقي
الطريقة الأمثل للخروج من هذا الضياع ليست في ابتكار “احتفالات بديلة” تكرس نفس الليلة، بل في التجاهل الواعي. إن قيمة اليوم في حياة المسلم تنبع من قوله ﷺ: “نِعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفراغُ”.
عوضاً عن ضياع الساعات في متابعة ما يفعله الآخرون أو نقدهم: - اجعل يومك عادياً، لا ترفعه لمستوى “المناسبة” حتى بالمعارضة.
- ادخر جهدك الذهني والبدني للمواسم الربانية القادمة (كشهر رجب وشعبان ورمضان).
- علّم الأجيال القادمة أننا أمة “مبادرة” لا “انفعالية”؛ نفرح بما شرعه الله لنا، وننشغل بإصلاح ذواتنا.
لذلك إنَّ الانشغال بما لا ينفع، وإن كان بصيغة الاعتراض، هو نوع من الغفلة عن “الأهم”. لنتوقف عن جعل “رأس السنة” معياراً لضبط جدولنا الزمني أو الإيماني، ولنعد إلى رحاب الأيام المباركة التي جعلها الله محطات للتزود الحقيقي، بعيداً عن صخب المظاهر وتيه الردود.



