مقالات وبحوث

صمودُ غزّة وإيران… وانهيارُ مادورومفارقةُ القوّة والشرعيّة

جعفر الزنكي البصرة الفيحاء
٥/١/٢٠٢٦
١٥ رجب ١٤٤٧

في عالمٍ تموجُ فيه الصراعات، لا تُقاسُ القوّةُ دائماً بعددِ الجيوش، ولا يُقاسُ الصمودُ بحجمِ الترسانات العسكريّة، بل كثيراً ما يكون المعيارُ الحقيقيّ هو الشرعيّة، والإيمان بالقضيّة، والالتفاف الشعبي حول القيادة. ومن هنا تتجلّى المفارقة الصارخة بين صمود غزّة وإيران لسنواتٍ طويلة في مواجهة قوى عظمى، وبين انهيار نظام مادورو في لحظاتٍ خاطفة أمام ضغطٍ محدود نسبيّاً.

أولاً: غزّة… صمود تحت النار

غزّة، تلك البقعةُ الصغيرةُ المحاصَرة، واجهت خلال سنواتٍ متتالية أقسى أنواع العدوان: حصارٌ خانق، حروبٌ متكرّرة، تدميرٌ للبنية التحتيّة، واستهدافٌ مباشرٌ للمدنيّين. ومع ذلك، لم تنكسر إرادةُ أهلها.
السرّ لا يكمن في تفوّقٍ عسكري، بل في وضوح القضيّة: أرضٌ محتلة، وشعبٌ يدافع عن حقّه في الحياة والكرامة. هذا الوضوح ولّد حالةً نادرة من التلاحم بين المقاومة والبيئة الشعبيّة، فصار كلُّ بيتٍ خندقاً، وكلُّ شهيدٍ دافعاً جديداً للاستمرار.

غزّة لم تكن وحدها؛ فمع أنّها واجهت قوى مدعومة من أكبر دول العالم، إلا أنّها امتلكت سلاحاً لا يُقهر: الإيمان بعدالة الموقف. وهذا ما جعل صمودها يتحوّل إلى ظاهرةٍ عالميّة، تفضح ازدواجيّة المعايير، وتُربك حسابات العدو رغم اختلال موازين القوّة.

ثانياً: إيران… الصمود الاستراتيجي

أمّا إيران، فقد خاضت معركةً من نوعٍ آخر. حصارٌ اقتصاديّ طويل الأمد، عقوباتٌ خانقة، تهديداتٌ عسكريّة، وحروبٌ ناعمة تستهدف الداخل قبل الخارج. ومع ذلك، لم تسقط الدولة، ولم تتفكّك المؤسّسات، بل استطاعت أن تحوّل الضغط إلى دافعٍ للاعتماد على الذات وبناء قدراتٍ علميّة وعسكريّة واقتصاديّة.

السبب الجوهري في هذا الصمود هو امتلاك مشروعٍ واضح، وشعور شريحةٍ واسعة من الشعب بأنّ الدولة – مهما اختلفوا معها – تمثّل استقلال البلاد وسيادتها. هذا الإحساس بالكرامة الوطنيّة جعل الضغوط الخارجيّة، بدل أن تُسقط النظام، تُعيد إنتاج التماسك الداخلي في اللحظات الحرجة.

ثالثاً: مادورو… انهيار بلا جذور

في المقابل، يبرز مشهد انهيار نظام مادورو كحالةٍ معاكسة تماماً. فرغم امتلاك فنزويلا ثرواتٍ هائلة، ورغم الخطاب الثوري الذي رُفع لسنوات، إلا أنّ النظام افتقد إلى عنصرٍ حاسم: الثقة الشعبيّة الحقيقيّة.
عندما اشتدّ الضغط، لم يجد النظام قاعدةً صلبةً تحميه. فالمجتمع الذي أُنهك بالفساد وسوء الإدارة لم يكن مستعدّاً للدفاع عن سلطةٍ لم تعد تعبّر عن تطلّعاته. لذلك، بدا الانهيار سريعاً، أشبه بسقوط بناءٍ متآكلٍ من الداخل، لا يحتاج أكثر من دفعةٍ واحدة.

المفارقة الكبرى: القوّة من الداخل

هنا تتجلّى المفارقة:
غزّة بلا دولةٍ ولا جيشٍ تقليدي صمدت أمام أعتى القوى.
إيران تحت حصارٍ عالمي صمدت لعقود.
بينما نظامٌ يملك دولةً وثرواتٍ انهار في زمنٍ قصير.

الجواب واحد: القوّة الحقيقيّة تنبع من الداخل. من شرعيّة القضيّة، ومن شعور الناس بأنّهم شركاء في المعركة، لا ضحايا لسلطةٍ منفصلة عنهم.

خاتمة

إنّ التاريخ لا يحفظ عدد الدبابات بقدر ما يحفظ صلابة الإرادة. وغزّة وإيران قدّمتا نموذجاً، كلٌّ بطريقته، بأنّ الصمود ليس معجزة، بل نتيجة طبيعيّة لالتقاء القضيّة العادلة مع شعبٍ يؤمن بها. أمّا الأنظمة التي تفقد هذا الالتقاء، فمهما طال عمرها، يبقى سقوطها مسألة وقت… وقد لا يحتاج أكثر من نصف ساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى