“النصرة تبدأ من سلّة المشتريات”
عبدالله الجنيد
عجبي من صوتٍ يعلو بالدعاء، ويُنادي بالنصرة، ويُقسم بالله أنه يحب أهل غزة، ثم يُسرع إلى شراء “الكوكاكولا” و”البيبسي”، تلك العلامات التي لا تروي عطشه فحسب، بل تروي عطش المدافع الإسرائيلية بالمال ، وتُغذي خطوط الإنتاج التي تُطلق الصواريخ على مدارسهم، ومستشفياتهم، ومنازلهم! إن كل قرشٍ يُنفق على هذه المنتوجات، هو قرشٌ يُستَخدم لشراء رصاصة تُنهي حياة طفل، أو قنبلة تمزق جسد أمٍّ تُرضع وليدها تحت الأنقاض!
أيّ نصرة هذه التي لا تبدأ من داخلنا؟ أيّ إسلام هذا الذي يُعلن عنه باللسان، ويُنكر بالفعل؟ إن النصرة الحقيقية ليست في الهتافات وحدها، ولا في البكاء على الشاشات، بل في التحرر من التبعية الاقتصادية، في رفض التطبيع بكل أشكاله، في مقاطعة ما يُغذي العدوان، في تحويل الحزن إلى عمل، والكلام إلى مقاومة صامتة تبدأ من سلّة المشتريات!
فهل يُعقل أن نُنادي بتحرير الأرض، ونُبقي أيدينا ملوثة بأموال تُستخدم لاحتلالها؟! أم هل نُريد أن نُصبح شركاء في الجريمة باسم العطش أو العادة ؟!
فليكن صوتنا نقيًا، وعملنا متسقًا، وقلوبنا صادقة. فغزة لا تُنصر بالبكاء وحده، بل بالوعي، والمقاطعة، والمقاطعة، والمقاطعة… حتى يُكسر كل رابطٍ يُغذي الظلم، ويُعيد للإنسان كرامته قبل أن يُعيد له أرضه.
كم دقيقة تمرّ وغزة تُذبح وعداد الموت يستمر في الارتفاع
والمجرم الصهيوني يواصل قتل الأطفال، وهدم البيوت، وتجويع الشعب بأمر حكومته الإرهابية…
ووراء هذا العدوان، تُمدد يد الولايات المتحدة الأمريكية، في تزويد القاتل بالسلاح، وحمايته في المحافل الدولية، بينما تبقى سفاراتها مفتوحة، وممثلياتها ناشطة في معظم الدول العربية والإسلامية، وكأن هناك اعترافٌ صامتٌ بالجريمة، أو تواطؤٌ معلنٌ مع الظالم.
يا الله
إذا لم تنفجر فينا الإنسانية، فمتى تنفجر؟
إذا لم نغضب اليوم لنصرة اليتامى والثكالى في غزة، فمتى نغضب؟
لا نريد كلمات… لا نريد منشورات فقط…
نريد فعلًا، نريد ضغطًا، نريد مقاطعة، نريد وقفة شجاعة أمام التاريخ
فغزة لا تتحمل دقيقة أكثر
والطفل الذي يموت الآن، وحيدًا، في زاويةٍ مظلمة، قد يكون غدًا ابنك، أو أخوك، أو أنت نفسك في لحظة ضعفٍ لا تُحتمل.
وقد يكون جزءًا من إنسانيتك التي لربما بدأت تموت ببطء، كلما تجاهلت الصراخ.
فاصمتوا عن المآدب ساعةً واذكروا جوع غزة.
واخفضوا أصوات الفرح قليلًا… ففي غرفة صغيرة تحت أنقاض بيتٍ مهدوم، أم تصرخ باسم ابنها المفقود، وتُقبّل قطعة قماش ملطخة بدمائه، وتنتظر أن يُرد إليها ما لا يُرد.
والعار كل العار على من سكت، أو تأخر، أو انتظر إذنًا من غير الله لنصرة المستضعفين.
العار على من جعل السياسة تطغى على الضمير، والدبلوماسية تقتل العاطفة، والمصالح تُدفن تحتها الإنسانية.
غزة لا تنتظر بيانًا… لا تنتظر إدانةً معلبة…
غزة تنتظر يدًا تمتد، وقلبًا ينبض، وضميرًا لا ينام.
فهل من مُستجيب؟
هل من باقي على هذه الأرض من يحمل شيئًا من الإنسانية؟
هل من ناصرٍ ينصر أهلَ غزة؟
هل من مُستجيبٍ لصرخاتِ الأطفال تحتَ الركام؟
هل من قلبٍ لا يزال ينبضُ بالرحمة، في زمنٍ تجمّدت فيه المشاعر، وامتلأت فيه القلوب بالجفاء؟
أنــى اتـجهت فـفي الـعيون غـشاوة
وعـلـى الـقـلوب مــن الـظلام ركـام
الـــكــرب أرقـــنــا وســـهــد لــيـلـنـا
مـــن مـهـدُه الأشــواك كـيـف يـنـام
يــا طـيـبة الـخـيرات ذل لـمـسلمون
ولا مــجــيــر وضــيــعــت أحـــــلام
يـغضون إن سـلب الـغريب ديـارهم
وعـلى الـقريب شـذى التراب حرام
بـــاتــوا أســــارى حــيــرة وتــمــزق
فــكـأنـهـم بـــيــن الـــــورى أغــنــام
نـامـوا فـنـام الــذل فــوق جـفـونهم
لا غـــرو ضـــاع الــحـزم والإقـــدام
الشاعر / نزار قباني





