البصيرة وفهم الواقع اليوم في الصراع بين ايران والكيان
جعفر الزنكي – البصرة الفيحاء
تعيش الأمة اليوم مرحلة دقيقة تتطلب وعياً عميقاً وبصيرة نافذة لفهم طبيعة الصراع الدائر في المنطقة. فليست الأحداث مجرد نزاعات سياسية عابرة، بل هي امتداد لمعركة حضارية وفكرية بين مشروعين متضادين: مشروع الهيمنة والاستكبار الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ومشروع الاستقلال والكرامة الذي تمثله الجمهورية الإسلامية.
إن ما يجري اليوم من تصعيد وعدوان ضد الجمهورية الإسلامية ليس معزولاً عن سياق طويل من محاولات إخضاع الشعوب الحرة وكسر إرادتها.
فهذه المواجهة هي في حقيقتها صراع بين الإسلام المحمدي الأصيل، الذي يدعو إلى العدل والكرامة ومواجهة الظلم، وبين ما يمكن تسميته بالإسلام الأمريكي، الذي تم توظيفه وتبنيه من قبل بعض الأنظمة ليكون أداة بيد المستكبرين، يبرر الصمت والخنوع، ويغطي على جرائم الاحتلال.
ومن هنا، فإن البصيرة الحقيقية تفرض على الإنسان أن لا ينخدع بالمظاهر ولا بالشعارات، بل أن ينفذ إلى جوهر الأحداث ويقرأها قراءة واعية. فدعم الجمهورية الإسلامية في هذه المعركة لا ينبغي أن يُفهم على أنه موقف سياسي عابر، بل هو موقف عقائدي وأخلاقي نابع من صميم الانتماء للإسلام الحقيقي. فحين تقف أمة بوجه قوى الاستكبار، فإنها لا تدافع عن حدود جغرافية فحسب، بل تدافع عن هوية الأمة وكرامتها ومستقبلها.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن الشهادة، مهما عظمت، لا تمثل نهاية الطريق، بل هي بداية جديدة لمسيرة الثورة. والتاريخ الإسلامي يقدم لنا النموذج الأسمى في ذلك، حيث تحولت شهادة الإمام الحسين عليه السلام إلى شعلة خالدة أضاءت درب الأحرار عبر العصور. فالثورات الحقيقية لا تُقاس ببقاء قادتها أحياء، بل بقدرتها على الاستمرار بعد رحيلهم، وبمدى ترسخ مبادئها في وجدان الأمة.
وهكذا، فإن دماء القادة الشهداء اليوم ليست خسارة، بل هي مشاعل نور تضيء طريق الحق، وتمنح الأجيال القادمة دافعاً للاستمرار في مواجهة الظلم. إنها دماء تحيي الضمير، وتؤكد أن طريق العزة لا يُعبد إلا بالتضحيات.
ومن هنا تنبثق مسؤوليات متعددة على عاتق الأمة، لا يمكن التهرب منها. فالدعم لا يقتصر على الجانب المعنوي، بل يمتد إلى مجالات متعددة، منها الدعم المالي الذي يعزز صمود جبهات المواجهة، والدعم الإعلامي الذي يكشف الحقائق ويفضح زيف الدعاية المعادية، إضافة إلى إحياء مجالس الدعاء والتضرع، التي تمثل بعداً روحياً عميقاً في معركة الصبر والثبات.
إن هذه المسؤوليات ليست ترفاً، بل هي واجب يفرضه الانتماء والضمير. فالأمة التي لا تساند قضاياها المصيرية، تفرّط بمستقبلها، وتسمح لأعدائها بفرض إرادتهم عليها.
وفي الختام، فإن البصيرة اليوم هي مفتاح النجاة في زمن الفتن، وهي السلاح الذي يميز بين الحق والباطل. فمن امتلكها استطاع أن يسير بثبات في طريق الحق، مهما اشتدت التحديات، ومهما تعاظمت التضحيات.



