مقالات وبحوث

اغزوهم تورثوا أبناءكم عزّاً

جعفر الزنكي – البصرة الفيحاء


٨-٦-٢٠٢٦
٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧

ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإن لم تفعلوا غزوكم، فتورثوا أبناءكم ذلاً»، وهي كلمة تختصر فلسفة المواجهة مع الأعداء الذين لا يكفون عن التخطيط والعدوان. فالأمة التي تكتفي بردّ الفعل وتنتظر الضربة الأولى من عدوها إنما تفتح له أبواب المبادرة، بينما الأمة التي تمتلك زمام المبادأة والمباغتة تحفظ أمنها وتصون كرامتها وتورث أبناءها عزّاً ومنعة.

وقد شهد العالم يوم أمس نموذجاً عملياً لهذه الحقيقة، حين وجّهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقوات اليمنية ضرباتٍ متزامنة استهدفت مواقع في الكيان الصهيوني، في إطار الصراع المستمر مع الاحتلال وعدوانه. ومهما اختلفت القراءات السياسية والعسكرية لتلك الأحداث، فإن مبدأ المباغتة العسكرية ظلّ أحد أبرز العوامل التي تؤثر في موازين الصراع، إذ إن العدو الذي يفقد القدرة على توقع الضربة ومكانها وزمانها يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على المواجهة والردع.

إن القرآن الكريم أشار إلى أهمية عنصر الحركة السريعة والمباغتة في مواجهة قوى البغي والطغيان، وذلك في سورة العاديات التي افتتحها الله تعالى بقوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ۝ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ۝ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. وقد ورد في عدد من التفاسير والروايات أن هذه الآيات نزلت في سرية قادها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث سار بالمجاهدين ليلاً حتى باغت العدو عند الصباح، فحقق نصراً حاسماً بعد أن عجز غيره عن إنجاز المهمة.

لقد كانت المباغتة في تلك الحادثة مفتاح النصر، فلم يمنح الإمام عليه السلام خصومه فرصة للاستعداد أو إعادة تنظيم صفوفهم، وإنما تحرك بحكمة وشجاعة وتخطيط دقيق، فجاءت الضربة في الوقت الذي لم يتوقعه العدو. ومن هنا أقسم الله تعالى بالخيل التي تعدو وتغير صباحاً، إظهاراً لعظمة هذا الأسلوب العسكري حين يكون في سبيل الحق وإقامة العدل.

وليس المقصود من المباغتة مجرد الهجوم العسكري، بل هي مبدأ شامل في إدارة الصراع؛ فالأمة القوية هي التي تفاجئ خصومها بقدراتها، وتمنعهم من فرض معادلاتهم عليها. أما الانتظار والتردد والخوف من المبادرة، فإنه يمنح الأعداء فرصة التوسع في عدوانهم واستنزاف مقدرات الأمة.

لقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن العزة لا تُورث بالكلمات والشعارات، وإنما تُورث بالموقف القوي والاستعداد الدائم. وعلّمنا أمير المؤمنين عليه السلام أن التخطيط المحكم والمبادرة الشجاعة يمكن أن يغيرا مجرى المعركة. كما أكدت سورة العاديات أن النصر يرتبط بالأخذ بالأسباب، ومن أهمها سرعة الحركة، وحسن التدبير، ومباغتة العدو في الوقت المناسب.

وهكذا يبقى معنى الحديث الشريف حاضراً في كل زمان: «اغزوهم تورثوا أبناءكم عزّاً»، أي لا تسمحوا للعدو أن يمتلك زمام المبادرة، ولا تتركوا له فرصة فرض الذل والهوان على الأجيال القادمة. فالعزة ميراث الأمم الحية، والكرامة ثمرة اليقظة والقوة والإعداد، ومن سار على نهج رسول الله وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام أدرك أن المبادرة الواعية قد تكون طريقاً إلى النصر وحفظ الكرامة والسيادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى