تجلّيات كربلاء في طوفان الأقصى

جعفر الزنكي – البصرة الفيحاء
بين الدم والرسالة
لم تكن كربلاء حادثةً عابرةً في صفحات التاريخ، ولا معركةً انتهى أثرها بانتهاء يوم عاشوراء، بل كانت مشروعاً إلهياً متجدداً يُعيد إنتاج ذاته كلما وقفت الأمة بين خيارَي العزة والذلة، وبين طريق الحق وطريق الباطل. ومن هنا تبدو معركة «طوفان الأقصى» امتداداً معاصراً لذلك الخط الحسيني الأصيل الذي انطلق من أرض كربلاء ليصنع وعياً لا يموت، وإرادةً لا تنكسر، ورفضاً دائماً للخضوع أمام الطغيان.
لقد وقف الإمام الحسين (عليه السلام) في مواجهة قوةٍ ماديةٍ هائلة، لكنه كان يحمل يقيناً راسخاً بأن معيار النصر لا يُقاس بعدد الجنود والعتاد، بل بمقدار الانتصار للقيم والمبادئ. وهذا المعنى ذاته تجلّى في مقاومة الشعب الفلسطيني ومجاهديه الذين واجهوا آلةً عسكريةً ضخمة بإيمانٍ لا يتزعزع، مستحضرين وعد الله تعالى:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
فكما لم يكن الحسين (عليه السلام) يطلب نصراً شخصياً أو مكسباً دنيوياً، فإن معركة طوفان الأقصى لم تُقدَّم بوصفها معركة أرضٍ فحسب، بل معركة كرامةٍ وهويةٍ ووجود، تُدافع عن المقدسات وتذود عن حقّ الإنسان في الحرية والحياة الكريمة.
ثقافة التضحية والفداء
ومن أبرز القيم الحسينية التي ظهرت في طوفان الأقصى قيمةُ التضحية. ففي كربلاء قدّم الحسين (عليه السلام) أهل بيته وأصحابه قرابين على مذبح الحق، حتى تحوّل الدم إلى لغةٍ خالدةٍ تخاطب ضمير الإنسانية عبر القرون.
وهذه الروح نفسها ظهرت في صور الصمود الفلسطيني؛ حيث ارتقى الآلاف من الشهداء وهم يدركون أن طريق التحرير محفوف بالتضحيات. لقد جسّدوا معنى الآية الكريمة:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
إن الشهادة في المنطق الحسيني ليست موتاً، بل ولادةٌ جديدة للحياة، ولذلك بقي شهداء كربلاء أحياءً في وجدان الأمة، كما سيبقى شهداء فلسطين مناراتٍ تهدي الأجيال نحو طريق الحرية والكرامة.
رفض الذل والخضوع
رفع الإمام الحسين (عليه السلام) شعاره الخالد: «هيهات منا الذلة»، ليؤسس مدرسةً كاملةً في رفض الاستسلام للطغاة. وهذا الشعار لم يبقَ حبيس التاريخ، بل تحوّل إلى ثقافة مقاومة تتردد أصداؤها في كل أرضٍ تواجه الظلم والاحتلال.
وفي طوفان الأقصى ظهرت هذه الروح بوضوح؛ إذ أثبت المقاومون أن الشعوب الحية لا تستسلم مهما اشتدت المحن، وأن إرادة التحرر أقوى من السلاح. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فالإيمان الحقيقي لا يسمح للإنسان أن يعيش خانعاً، بل يدفعه إلى الدفاع عن الحق مهما كانت التضحيات.
الصبر الجميل والثبات العظيم
من المشاهد العظيمة في كربلاء صبر الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، وصبر السيدة زينب (عليها السلام) التي حوّلت المأساة إلى رسالة، والانكسار الظاهري إلى انتصارٍ معنوي خالد.
وفي غزة، حيث امتزجت دموع الأمهات بدماء الشهداء، وحيث تحمّل الناس الحصار والتهجير والدمار، تجلّى هذا الصبر القرآني الذي وصفه الله بقوله:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
إن صبر الفلسطينيين لم يكن استسلاماً للألم، بل كان شكلاً من أشكال المقاومة، تماماً كما كان صبر زينب (عليها السلام) موقفاً ثورياً حفظ أهداف النهضة الحسينية من الضياع.
الوعي الرسالي وصناعة المستقبل
لم يكن الحسين (عليه السلام) يريد إثارة عاطفة مؤقتة، بل أراد صناعة وعيٍ دائم يميز بين الحق والباطل. ولذلك بقيت كربلاء مدرسةً للتربية الفكرية والسياسية والأخلاقية.
وفي طوفان الأقصى ظهر هذا البعد الرسالي من خلال إعادة إحياء قضية فلسطين في وجدان الأمة والعالم، وكشف حقيقة الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، ليصبح الدم وسيلةً لإيقاظ الضمائر، كما فعل دم الحسين (عليه السلام) قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.
وقد أشار القرآن إلى دور الشهداء في صناعة الحياة بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
فالشهداء لا يرحلون، بل يتحولون إلى طاقةٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ تُلهم الأجيال وتبني المستقبل.
خاتمة
إن المتأمل في طوفان الأقصى يجد أن كربلاء لم تغب عن الميدان، بل حضرت في روح التضحية، وفي رفض الذل، وفي الصبر على البلاء، وفي الإيمان بعدالة القضية، وفي الثبات أمام قوى الاستكبار. لقد أثبتت هذه المعركة أن مدرسة الحسين (عليه السلام) ليست ذكرى تُروى، بل منهج حياةٍ يتجدد كلما نهض الأحرار دفاعاً عن الحق.
وهكذا يبقى نداء عاشوراء يتردد في ضمير الأمة: أن الحق قد يُحاصَر لكنه لا يُهزم، وأن الدم إذا اقترن بالقضية العادلة يتحول إلى نورٍ يهدي الشعوب نحو الحرية والكرامة، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.




