مقالات وبحوث

قوموا لله … بين نداء روح الله الخميني ونداء السيد مجتبى الخامنئي

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾
صدق الله العلي العظيم.

جعفر الزنكي – البصرة الفيحاء
٩-٧-٢٠٢٦

ليست بعض الآيات القرآنية مجرد نصوص تتلى، بل تتحول في لحظات التاريخ الكبرى إلى مشاريع حياة، وإلى مفاتيح لتحولات الأمم. ومن هذه الآيات الخالدة، جاءت وصية السماء: “أن تقوموا لله”؛ قيامٌ لا تحركه العصبية، ولا تؤججه المصالح، بل ينهض من أعماق الإخلاص، حيث يصبح الإنسان مشروعاً لله قبل أن يكون مشروعاً لنفسه.

لقد كانت هذه الآية من أكثر الآيات حضوراً في الوعي الفكري للإمام روح الله الخميني، حتى غدت عنواناً لمشروعه الإصلاحي والثوري. فقد رأى أن كل انحرافات الأمة إنما تبدأ من القعود، وأن أول الطريق إلى استعادة الإسلام في واقع الحياة هو أن ينهض الإنسان لله وحده، متحرراً من الخوف، ومن الاستبداد، ومن هيمنة الطغيان.

ومن هنا، كان نداء “قوموا لله” في تلك المرحلة موجهاً قبل كل شيء إلى النخب الواعية؛ إلى العلماء، والمفكرين، وطلبة الحوزات، وأصحاب الكلمة الحرة. لأن الثورات الكبرى لا تبدأ من الجماهير وحدها، بل تبدأ من العقول التي تبصر الطريق، والقلوب التي تتحمل مسؤولية الهداية، والضمائر التي ترفض أن تبيع رسالتها مهما اشتد الظلام.

لقد كان المطلوب آنذاك أن تقوم النخبة لتوقظ الأمة، وأن تتحمل مسؤولية التغيير، وأن تعيد للدين حضوره في المجتمع والدولة والإنسان. ولذلك كانت الثورة الإسلامية، في أحد وجوهها، ثمرة قيام العلماء لله قبل أن تكون قيام الجماهير في الشوارع.

واليوم، وبعد عقود من ذلك النداء الأول، تبدو الأمة وكأنها تقف أمام محطة تاريخية جديدة.

فإذا كان النداء الأول قد أسس لقيام الثورة، فإن القراءة التي يقدمها كثير من أنصار هذا المسار لنداءات السيد مجتبى الخامنئي المرتبطة بالحضور الشعبي في تشييع السيد الخامنئي ترى فيها انتقالاً من مرحلة تأسيس الثورة إلى مرحلة تثبيت آثارها واستكمال مشروعها الحضاري.

فلم يعد الخطاب موجهاً إلى النخبة وحدها، بل إلى الأمة كلها؛ إلى الرجال والنساء، إلى الشباب والشيوخ، إلى كل من يريد أن يعلن حضوره في معركة الهوية والذاكرة والوفاء.

إن الحشود، في هذا التصور، لا تُفهم باعتبارها تجمعاً بشرياً فحسب، بل بوصفها إعلاناً عن استمرار الانتماء إلى مشروع يرى أصحابه أنه يتجاوز الأشخاص إلى المبادئ، ويتجاوز اللحظة إلى المستقبل.

لقد قامت النخبة بالأمس، فكانت الثورة.

واليوم، يُراد للأمة أن تقوم، لتكون الحضارة.

فالثورات تستطيع أن تُسقط أنظمة، لكن الحضارات وحدها هي التي تصنع التاريخ الطويل.

الثورة تفتح الأبواب، أما الحضارة فهي التي تبني البيوت، وتؤسس الجامعات، وتصنع الإنسان، وتنتج المعرفة، وتشيّد الاقتصاد، وتحمي الهوية، وتقدم نموذجاً أخلاقياً للعالم.

ولهذا فإن أعظم وفاء لأي قائد ليس البكاء عليه، وإنما تحويل مبادئه إلى مؤسسات، وأفكاره إلى مناهج، وقيمه إلى ثقافة عامة، وحضوره إلى مشروع متجدد.

إن القرآن حين قال: ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ لم يحدد شكلاً واحداً لهذا القيام.

فقد يكون القيام كلمةً في وجه الظالم.

وقد يكون موقفاً يحفظ الحق.

وقد يكون علماً يُعلَّم.

وقد يكون كتاباً يُؤلَّف.

وقد يكون مؤسسةً تُبنى.

وقد يكون جيلاً يُربّى.

وقد يكون حضوراً واعياً في لحظة يراها أصحابها فاصلة في تاريخ أمتهم.

فالقيام لله ليس فعلاً عابراً، بل حالة دائمة يعيشها المؤمن، ينتقل بها من خدمة ذاته إلى خدمة الرسالة.

إن الفارق بين الأمس واليوم ليس في جوهر النداء، وإنما في طبيعة المرحلة.

فالأمس كان زمن التأسيس.

واليوم هو زمن البناء.

الأمس كان زمن إسقاط الطاغوت.

واليوم هو زمن تشييد النموذج.

الأمس كان قيام الثورة.

واليوم، في هذه القراءة، هو قيام الأمة نحو مشروع حضاري حديث يستلهم الإسلام في قيمه وأخلاقه ومؤسساته.

ومن هنا، فإن تشييع القادة لا ينبغي أن يكون خاتمة المشهد، بل بدايته؛ لأن الأمم الحية لا تحفظ قادتها بالذكريات وحدها، وإنما بمواصلة الطريق الذي رسموه.

ويبقى النداء القرآني واحداً، وإن اختلفت الأزمنة:

قوموا لله…

فإن كان الجيل الأول قد قام ليحرر الأرض من الاستبداد، فإن الجيل الجديد مدعو ـ في نظر أصحاب هذا المشروع ـ إلى أن يقوم ليحرر الإنسان من الجهل، ويبني الحضارة، ويصنع المستقبل، ويجعل من الإيمان قوةً للعلم، ومن الأخلاق أساساً للعمران، ومن الوعي جسراً تعبر عليه الأمة نحو نهضتها.

وهكذا يبقى “قوموا لله” ليس شعار مرحلة، بل ميثاق أمة؛ يبدأ بثورة صادقة، ولا يكتمل إلا بحضارة عادلة، تحمل رسالة الإسلام إلى الإنسان، وتترجم قيمه في واقع الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى